إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 5 مارس 2011

اقتراح للمجلس العسكري بخصوص جهاز الشرطة

الغياب الأمني الرهيب الذي ينتشر في ربوع مصر الآن أدى إلى زيادة الجرائم التي يقوم بها البلطجية، وتسبب الفراغ الأمني في تجرأ الخارجين على القانون في التجول بحرية والسطو على الناس وأملاكم في وضح النهار، وساعدهم على ذلك وجود قطع السلاح التي توفرت بكميات كبيرة بعد سرقتها وكذلك هدم السجون وخروج الكثير من المساجين لتكوين عصابات تقوم بتلك الجرائم.
عدم وجود عناصر الشرطة في أماكنها ساعدت عليه عدة عوامل معظمها كانت قبل الثورة وأهمها الصورة الذهنية السيئة لدى الشعب عن الشرطة، أضف إلى ذلك معاملة بعض رجالها السيئة ضد الشعب، وسمعة جهاز أمن الدولة، وكثير من عمليات التعذيب التي شهدتها أقسام الشرطة ومراكز الاعتقال. وهناك بعض الحوادث التي حدثت بعد الثورة أدت إلى تفاقم الوضع مثل حادثة المعادي وكليب مدير أمن البحيرة.
إن الشرطة اليوم بعدم نزولها إلى أماكنها تزيد من فرص المجرمين في إحداث الكثير من الجرائم، وتمهد لعمليات أكبر تصل إلى السطو المسلح على قرى بأكملها، وهذا ما حدث في قرية تابعة لمركز منيا القمح منذ ساعات، وعدم رجوع رجال الشرطة إلى أماكنهم يأتي لسببين وهما: إما خوفهم من رد فعل الناس تجاههم، وهذا إحساس غير صحيح بالمرة، أما السبب الآخر فهو الإصابة بداء العظمة وعدم الموافقة للرجوع إلى العمل بهذا الوضع الجديد الذي يتساوى فيه جميع المواطنين في الحقوق ولا يكون لجهاز الشرطة اليد العليا على الشعب، والذي صرح بهذا الإحساس مدير أمن البحيرة منذ أيام. لذلك أقترح على المجلس العسكري إسناد وزارة الداخلية لرجل من الجيش برتبة لواء مثلا، ويكون هناك ميثاق شرف جديد يعكف على كتابته أهل القانون وضباط من العلاقات العامة للشرطة وأعضاء من مراكز لحقوق الإنسان، يتم صياغة هذا الميثاق بين الشرطة والشعب خلال شهر مثلا، ويتم استدعاء مديري مديريات الأمن لقراءة الميثاق، وتخييرهم بين العمل به أو التقاعد، وكذلك كل أفراد الشرطة يطلعوا على الميثاق الذي يتضمن تعهد مكتوب بعدم التعدي لفظيا أو جسديا على أي مواطن مصري، ويمكن فتح باب التطوع لجهاز الشرطة الجديد لتعويض النقص فيه، كما يتم تدريب أفراد الشرطة تدريبا نفسيا وعسكريا في مراكز تابعة للقوات المسلحة. وهناك اقتراح آخر حدثني عنه أحد رفاقي وهو القيام بتجميع قيادات الشرطة من جهة، ومثقفي الشعب والشباب بإستاد القاهرة لعمل مناقشة حرة لطرح الأفكار والتفاهم على وضع جديد بين الشرطة والشعب.
إن الدور الحقيقي لرجال الشرطة كان وما زال وسيظل محاربة الجريمة والعمل على توفير الأمن والأمان للمواطن وهو الدور الذي اختفى منذ سنوات عديدة تعدى عددها أصابع اليدين فأصبح الترويج للمخدرات وتعاطيها علنا في الشوارع، وأصبحت الخلافات بين المواطنين تصفى خارج اقسام الشرطة بل تصفى بالدم أولا فعند استدعاء الشرطة في السابق للفصل بين مشاجرات العلائات والأفراد كان الرد بالمقولة الشهيرة جاهز (عوروا بعض الأول وبعدين تعالوا، عاوزين نشوف دم) وكثيرا من الجرائم والأحداث الأخرى التي قصرت فيها الشرطة هو ما جعلها في هذا الوضع الآن.
هل من مقترحات أخرى وأفكار جديدة

الأربعاء، 2 مارس 2011

العطاء اللاإرادي

العطاء اللاإرادي
شيء جميل أن ترى شعباً هم بعد غفوة، واستنهضته همته للقيام بما يجب أن يقوم به منذ سنين، فحملات النظافة الشعبية التي تجوب ربوع مصر الآن في مدنها وقراها شيء رائع، وتغيير سلوك المجتمع نحو الأفضل يدل على أنه مجتمع أصيل متجذر في عراقته وحضارته، فبعد أن كنا نعيش قبل الثورة حالة اللامبالاة والفوضوية وعدم الاكتراث لصيحات الضمير، وتطبيق بعض الشعارات مثل "أنا ومن بعدي الطوفان" أو "إحييني النهاردة وموتني بكرة" أو "إن كان لك عند الكلب حاجة" وانتشار كثير من تلك الشعارات والصور السيئة، التي أدخلنا فيها النظام السابق رغما عنا بسبب التضييق على الناس، وإدخالهم في صراع مع الحياة، بمحاولة تصفية الوطن من نخبته وطبقته الوسطى، والدخول بالمجتمع إلى غياهب الفقر والمرض والعوز والحاجة، أصبحنا اليوم في اتئاد وتآلف لم نشهده منذ حرب أكتوبر.
نظام قطع فينا الوحدة والتعاون والتآلف، وعمل بمنطق فرق تسد، قطع فينا الأمل والرجاء والعطاء وأصبح الكل يقول "إشمعنا" وأصبح الكل في حالة تصارع نحو سد الرمق وسد الاحتياجات الضرورية، ومنع عطائه لوطنه ولمجتمعه من جهة (حتى وإن كان العطاء خصلة أصيلة فيه)، والنظر بعين الحسرة والذهول لما آل إليه وضع أقلية نهبت كل شيء ولم تترك حتى الفتات من جهة أخرى.
يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الحال هو الحال الطبيعي الذي يجب أن نكون عليه، فنحن نعيش في مجتمع متآلف متوحد لا يوجد به اختلافات كثيرة، مجتمع به من الخصال الطيبة ما لم تجده في كثير من المجتمعات الأخرى، ولذلك فإن العطاء والبذل هي سمة أصيلة فينا، والفترة الماضية في العهد السابق ما هي إلا استثناء.
ولأن أعضاء الجسد الواحد تختلف عن بعضها البعض من حيث التكوين الفسيولوجي ونوعية الخلايا، فإن لكل عضو سمة وميزة تميزه عن باقي الأعضاء، فالعضلات الملساء في الجسم تختلف في عملها عن العضلات المخططة رغم كونهما من فصيلة العضلات، فجل العضلات الملساء في الجسد تعمل ذاتياً بقدرة الله عز وجل، أو ما يمكن أن نطلق عليه نحن "لاإرادياً"، كعضلة القلب على سبيل المثال، أما العضلات المخططة فهي التي تعمل بتلقي الأوامر من الدماغ عبر الجهاز العصبي بشقيه، كعضلة العضد مثلا، ولذلك فإننا هنا يجب أن نفرق بين أعضاء الجسد، التي هي أعضاء المجتمع الذي نعيش فيه بين من يعمل ذاتيا ومن يعمل بانتظار الأوامر، وإن كان الكل فيه الخير بإذن الله، فمن يفكر، ويبادر، ويقترح، و يخطط، وينهض لينفذ، خير ممن يُستنهض ويُستثار ويُعاتب وفي بعض الأحيان يُؤنب ليعمل، وهذا هو الفارق الذي صنع ثورتنا وعلا همتنا وغير أحوالنا بإذن ربنا.
العطاء اللاإرادي سمة تميز عضو المجتمع وتجعله بين البقية كالعضلة التي تعمل ذاتياً "أملس، رقيق، نسمة بين أقرانه، محبوب، مرغوب، وبالإنجليزي سوفت، SOFT ". وتجعل بقية أعضاء المجتمع من حوله كالعضلات المخططة "قوية نعم، لكنها تنتظر الأوامر لتعمل، خشنة، متضخمة بعد كثرة العمل" لكنها في النهاية فيها الخير أيضا إن شاء الله.
أيها الأعضاء الكرام أعضاء مجتمعنا الجديد بعد الثورة. إن كثرة الأعضاء الذين لديهم عطاء في المجتمع هو ما يستنهض الأمم ويبني الحضارات، وحبذا لو تحول هذا العطاء من عطاء برؤية الناس من حولنا بمثل هذا الحماس، وهذه الصورة الإيجابية بعد الثورة، وبهذا التأثر والتقليد، حبذا لو تحول إلى عطاء لاإرادي، تتدرب عليه نفس كل عضو وتغرسه كخصلة أصيلة داخلها، فيتغير مجتمعنا، وتبنى حضارتنا، بتغيير توجهنا، فكن أيها العضو إيجابياً معطاءاً، منظماً، غير مبالٍ، غير ساكت عن الحق، مؤمناً بدورك وبوجودك في هذا البناء الذي أنت عضو فيه، وفي هذه الأرض  (أرض مصر) التي تحتاج منا الكثير.
 وأخيراً "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" صدق الله العظيم.
(نشأت النادي – مارس 2011م)

الاثنين، 28 فبراير 2011

من شعب مصر إلى الرئيس السابق

يا رئيسنا يا سابق يا حكيم وناضج
ومحدش غير جنباك طلع طيار
يا فاتح حساب في كل البنوك
وماصص دم شعبك بالجنيه والدولار
يا عايش في شرم
وواكل بخيرها شوكولا سويسري وبتضرب كفيار
والست المدام عليها السلام
تسافر وترجع بطيارة خاصة وتحت أمر جنابها المطار
وسعادتك تأمر وتنهي وتشخط وتنطر
ومفكرها عزبة ومن غير وجودك هتصبح دمار
أوعاك تفكر إنك هتفلت
وهننسى ونسكت وترجع أيام الكوسة والخيار
دا ياما صبرنا وحقنا وكتمنا
وغلبنا كلام لحد ما وصلت لدرجة الانتحار
وعصابا وشلة مطبلاتي وقله
وحزب وأمانة وسياسة كانت على الحكومة عار
ديمقراطي ووطني وعصري وحديث
وبايع أراضي وناهب بلادي وأهوه استثمار
دعاوي كتير من المظلومين في دنيا ودين
ومش هامك عقاب وآخرة ونار
وبطانا فاسده على الشعب كاتمه
سماسره وعملا ورجال فساد في البلد تجار
ووزرا باعداديه ودبلوم صنايع سابوا الشعب ضايع
باللقمة عايش وفي غموسه حار
علاء وجمال وراسخ والجمال نسايب العيال
يبيعوا ويشتروا ودايما في شرم على كل بار
وحسين وسالم ومحمد وابراهيم وبطرس ووالي باعوا كل غالي
وقبضوا التمن عالي وهربوا وفاتوك خلف البحار
وعز ومفيد وسرور والشريف والعادلي ونظيف ما سابوا الرغيف
نخروا في عضم الغلابا وخلوا حالنا انحدار
وعملا وخونه وجواسيس وسفرا في أرضنا
على عرض مصر وشرفها كله بيلعب قمار
ياه ده كلوا فساد كان الشعب عايش عيشة هباب
ولا حد فيكوا داري إيدكوا في ميه وإيدوا في نار
سكنتوا القصور وسكنا القبور
كماليات جنابكم اتاوه وضرورياتنا ولعه نار
سلع معاليكم من برا مغلفة ومفتخرا
وضريبة مبيعات علينا ترفع الأسعار
ياه عليك كدا هنا ورقمنا كبير وغمة
أديك وصلتنا من انهيار لانفجار
من ساعة أحداث يناير الواحد مصدوم وحاير
ما سمعنا ألف ولا مليون لأ كلوا بالمليار
قصص لها العجب وشعب مل وتعب
والأسرة الكريمة مازالت في حالة افتخار
كنت لنا قائد ورمز ورئيس لحد ما جه مشروع التوريث
وقلت أنا وابني والكل بعدي غار
غربت شعبك جوه هجرت شعبك بره
واتحكم فينا أصحاب الريال والدينار
آسف ياريس قصدي ياللي كنت ريس
آسف إنك رفعت عن نفسك الوقار
المحاكمة جاية وهتشيل القضية وهتلبس الجلابية
والشلة بحالها جاية مهو هي مش تكية
ونشوف شعرك أبيض وترجع بلدنا عمار × عمار

السلطة الآن بين الجيش والإخوان


في مساء يوم الثامن والعشرين من يناير لعام 2011م، نزلت آليات الجيش المصري إلى الشارع كإجراء أخير بعدما دارت معارك شديدة بين المتظاهرين والشرطة، عجزت خلالها الأخيرة عن صد المتظاهرين ومنعهم من تحقيق أول أهدافهم وهو الالتقاء في ميدان التحرير، ونتج عن تلك المعارك ضحايا وإصابات عديدة نتيجة استخدام العنف من الشرطة ضد هؤلاء العزل، وبعد انقشاع غبار المعركة واندحار قوات الشرطة وحرق العديد من آلياتها التي دهست الكثير من المحتجين، وخنق دخان قنابلها المسيلة للدموع لهم، واختراق رصاصها المطاطي لأجسادهم، نزلت قوات الجيش لحماية المباني الحساسة والمصالح العامة في القاهرة الكبرى وبعض المحافظات الأخرى، نزول ما رأيناه منذ ثورة 23 يوليو 1952م عندما نزلت قوات الجيش وطوقت القصر الرئاسي في عابدين، إلا عام 1986م في أحداث الأمن المركزي.
القوات المسلحة نزلت في هذا اليوم ليس لمحاصرة الفاسدين أو لإنهاء حكم ملك كما حدث عام 52، بل نزلت لحماية منشآت الدولة والحفاظ على الأمن العام في ظل حكم قائد مجلسها الأعلى الذي حدث في أواخر عهده تجاوزات تعدت كثيرا فساد الملك ونظامه من قبل، والذي اعترفت به المؤسسة العسكرية بل وقائدها الأعلى قبل تخليه عن السلطة بأنها أخطاء سياسية، وان مطالب المحتجين الشرفاء مشروعة، وهذا اعتراف ضمني بالفساد في عصر النظام السابق.
ثمانية وخمسون عاماً ونصف هي مدة حكم المؤسسة العسكرية منذ تولي اللواء محمد نجيب الحكم كأول رئيس جمهورية عام 52 مرورا بالصاغ جمال عبد الناصر الذي رفض استمرار الأحزاب السياسية وعودة الحياة الحزبية ونقل السلطة من قادة الثورة (الضباط الأحرار) إلى المدنيين، ثم جاء نائبه الرئيس السادات الذي ورث تركه ثقيلة من الأعباء نفضها كلها عن كاهله ثم هيئ الحياة السياسية المصرية للتنوع والتعدد الذي أصبح للأسف شكلي عندما سمح بعودة الأحزاب السياسية عام 1976م ورأس بنفسه الحزب الوطني، الحزب الذي أصبح فيما بعد الواجهة المدنية التي تقود الحياة السياسية المصرية وتوارت عن الأنظار القوات المسلحة إلا أنها بالطبع هي الحاكم الفعلي للبلاد بوجود قائدها الأعلى على رأس النظام في مصر.
النموذج التركي للحكم كان صارخاً عندما أسس مصطفى كمال أتاتورك الدولة العلمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وانهيار الدولة العثمانية، فورث الجيش حكم البلاد إلى أن جاء قادة حزب العدالة والتنمية (إخوان تركيا المسلمون) للحكم عام 2000م، وبدءوا بعمل إصلاحات داخلية وخارجية للدولة، الإصلاحات التي لاقت استحسان الداخل واحترام الخارج، فزاد الدخل القومي التركي بل تضاعف عدة مرات، وارتفع الدخل وتحسنت الأحوال المعيشية للمواطن، وأثبت القادة الجدد جدارتهم الأمر الذي أدى إلى زيادة شعبيتهم وزيادة محاولات الانقلاب ضدهم من بعض قادة الجيش فهم الذين خطفوا الأضواء من هذه المؤسسة العسكرية الكبيرة، فيما قابلوا عملية الانقلاب بهدوء وذكاء شديدين، حتى انصاعت المؤسسة العسكرية لهم أمام شعبيتهم الجارفة، وقامت بإلقاء القبض على العديد من الضباط المشتبه بهم، وبهذا السيناريو انتهى حكم العسكر في تركيا وبدء عهد جديد قاده قادة حزب العدالة والتنمية التركي.
اليوم يتولى المجلس العسكري المصري إدارة شئون البلاد بعد أن أسند إليه الرئيس السابق أمور الحكم وإدارة شئون البلاد وذلك بعد الضغط الشعبي عليه والذي أدى إلى تخليه عن السلطة، ويأخذ على عاتقه تنظيم الداخل المصري المهلهل نتيجة غياب الشرطة وأزمة الثقة بينها وبين الشعب، كما يقوم أيضا بتنفيذ تعديلات دستورية ومحاكمة رموز فساد النظام السابق إلى جانب مهمته القومية في حماية البلاد خارجياً في ظل وضع حرج على الحدود الشرقية والغربية، ويقوم الآن بإجراء إصلاحات من شأنها التمهيد لحياة سياسية جديدة قد تأتي بحزب الإخوان المسلمين الجديد والآتي بقوة للحياة البرلمانية والتشريعية المستقبلية، فهل يسلم الجيش الحكم للإخوان على غرار النموذج التركي، ويخلي الساحة لمن يعتلي الحياة السياسة لحكم البلاد ويعود لثكناته العسكرية؟،وهو الذي اقر أنه لا يسعى للحكم وسيسلم الحكم للسلطة المدنية التي سيقوم الشعب باختيارها.

الأحد، 27 فبراير 2011

استنتاجات ومكاسب ومخاسر المشهد

في ظل هذه الأيام العصيبة التي تعصف بنا، وفي تحليل للموقف من وجهة نظر قارئة للأحداث ربما تكون صحيحة، وربما تكون خاطئة، وربما تحوي بعض النقاط التي يمكن أن تكون محل نقاش. نجد أنفسنا الآن أمام صدمة تعيشها مصر نتيجة تراكم أخطاء كثيرة، فمنذ ثلاثة عقود أخفق النظام خلالها في استثمار مرحلة استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي بعد الخروج من عدة حروب، كانت أدعى بنقل المجتمع المصري باقتصاد مهترئ ووضع اجتماعي سيء في فترة الحروب، من مصاف الدول المعتمدة على اقتصاد الحروب وربط الأحزمة على بطون الشعوب، إلى مصاف الدول المعتمدة على ذاتها باقتصاد قوي، وكانت يمكن أن تصنف من الدول التي يحسب لها حساب وتقدر بقدرها في المنطقة.
 فسيناء المحررة لم تمسها يد التعمير إلا النذر اليسير من المنشآت السياحية، التي تعتمد على وضع متذبذب وحساس لوقوعنا في منطقة ساخنة، وضع الغرب كل خبثه فيها اختراقاً للأمة الإسلامية، وأهملت مشروعات استصلاح وتنمية داخل سيناء كانت أدعى بإنشاء مجتمع جديد يغير طبوغرافيا منطقة طالما بقيت طوال عمرها منطقة صراعات وبوابة الأمة الحصينة من جهة الشرق، أما في الصحراء الغربية فالوضع أسوء، فمشروع توشكى الذي صرف عليه المليارات لم يؤتي أكله ولم يوظف لخدمة الدولة وشعبها، وجاءت برامج الخصخصة لتقضي على ما تبقى من ممتلكات تديرها الدولة، فحكومة عاطف عبيد تخلصت من الكثير من الممتلكات العامة بأبخث الأثمان، ثم جاء عهد جديد تولى فيه نجل الرئيس مسئولية تشكيل السياسات داخل الحزب الحاكم، ودار صراع مقيت بين حرسه الجديد وبين حرس قديم طالما أمسك بزمام الأمور، وكانت نتيجة الصراع تحالف نخبة من المتآمرين وأصحاب المصالح الخاصة والمتسلقين ضد مصالح وطموح الشعب، فتراجع قطاع الزراعة وزادت معدلات الفساد وازداد نفوذ المحتكرين ورجال الأعمال الفاسدين بعد تزاوج السلطة بالثروة، وبعد الكثير من المطالبات بتوضيح موقف النظام من التوريث وتوضيح موقف النظام من ترشيح الرئيس بعد عمر الثمانين عاماً، فاجأ النظام الشعب بتعديل دستوري في عام 2007م، كان يمثل بداية الحنق والغضب الشعبي، بعد عدم سماع نداءاته، ثم اختتم النظام المرحلة الملتهبة بانتخابات مزورة على أيدي رجالات حزب أكدوا مراراً أنه وطني (أي محسوب على الوطن) وعلى استحياء أنه ديمقراطي (ديمقراطية مستعينة بقوات الأمن والبلطجية).
بعد فوات الأوان وفي الوقت الضائع، فاجأنا الشعب التونسي بما لم نتوقع حدوثه، فألهب مشاعر شباب وجدوا أنفسهم منذ ولادتهم في حكم هذا النظام، ووجدوا أنفسهم في وضع يتدنى من سيء إلى أسوء. فكان وقود التحرك هو استهزاء واستهتار النظام بهؤلاء الشباب الذين حركوا جوارح الشعب، وملئوا في عروق جسده الهامد الدم المتدفق الدافئ، بعدما ضخ فؤادهم النابض روح الأمل في هذا الشعب المعدم.
النظام كعادته يهمس لنفسه بأنها زوبعة فنجان وستعبر كما في السابق، لكن النظام يريد والغرب يريد والله يفعل ما يريد، فالضغط على الجرح الملتهب والمحتقن بالصديد فجره من شدة الألم، فكان تصميم وإرادة الشباب ومن ورائه الشعب بكل أطيافه هو محرك هذه الثورة، التي جاءت لتنهي ملفات معلقة عديدة كملف التوريث وملف البقاء ما دام هناك قلب ينبض لهذا النظام.
استنتاجات الثورة تثبت الآن أن الجمع بين منصبي القائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الحزب الحاكم جعلت من الحزب الحاكم الواجهة المدنية للجيش التي تستمد منه قوتها ونفوذها، واستغل نجل الرئيس وبعض المنتفعين هذا الوضع ليخطوا بالبلد نحو المجهول، فضرب الفساد أركان الدولة وعم البطش والتنكيل بالناس ربوعها، فأدار الشعب ظهره للنظام وأصبحت اللامبالاة عادته وعدم الاهتمام أو الاكتراث بما يقال على لسان النظام ديدنه، واقفل أذنا بطين والأخرى بعجين فأصابه الصمم الذي لحق بالخرس الذي أصيب به من قبل، وبدء كل فرد يبحث عن أي جزء من بلده يجده ملقى مما تبقى من فتات الضواري، والعجيب أن معظم الناس استحلت كل شيء بهدف الحصول على ما يكفي معيشتهم وأولادهم حتى بعض المتدينين، فسادت في المجتمع عادات وطباع جديدة لم يعهدها من قبل من استحلال الحرام وتلاشي الوازع الديني وكثرة الجرائم المتعلقة بالأحوال المعيشية الصعبة، وتوحش الناس في معاملاتهم المادية، وفقد هيبة الدولة ومؤسساتها وعلى رأسها المؤسستان الدينية والتعليمية.
إن المجتمع المصري وصل إلى حافة الهاوية قبل الثورة وصل إلى قمة التدني الصحي والتعليمي والسياسي والاقتصادي والأخلاقي والاجتماعي نتيجة ما فرضه عليه النظام السابق من أوضاع غاية في الصعوبة، ولولا أنه مجتمع محافظ ومؤمن وله مواصفات خاصة به لانهار هذا المجتمع وذهب في طريق اللاعودة.
إن قدر الله نافذ ومشيئته قادرة على تبديل الأحوال، ورحمته بمصر وأهلها هي التي أوصلتنا إلى هذه الصبغة الجديدة التي نتمنى أن تتحسن سريعا بعد أحداث 25 يناير صبغة يعود بها المجتمع المصري إلى حقب مجده وعلمه وعافيته وحضارته وتاريخه ليعيد لمصر مكانتها وعز هويتها في المنطقة والعالم.
الخسائر:
رغم أن الوضع الحالي سيء إلا أنه لن يكون أسوء من ذي قبل، ولن نخسر أكثر مما كنا نخسره قبل الثورة من هدر للأموال والأراضي والثروات التي أنعم الله بها علينا، فيكفينا استرداد الأصول التي تداولها شياطين الإنس من أراضي وعقارات ومصانع وآليات خصصت لتصدير ثروات وخيرات البلاد إلى خارجها، واستفادة قلة قليلة من تلك الثروة. كما أن الاعتماد على اقتصاد خدمي يقوم على قطاعات غير مضمونة مثل المضاربة في البورصة والخدمات السياحية بينت مدى هشاشة الوضع الاقتصادي الذي يعتمد على تلك النوع من الدخل للدولة، وهي ضارة نافعة بحول الله فاتجاه الشباب الذين يعملون في هذه القطاعات إلى أعمال أخرى كالزراعة والصناعة في مشروعات قومية أو مشروعات فردية هو أفضل بكثير على المدى البعيد من العمل في تلك القطاعات التي وإن رجعت لا ينبغي التعويل عليها كثيراً، ويجب البدء في عمل مشروعات زراعية صناعية داخلية تحقق الاكتفاء الذاتي من معظم احتياجات المجتمع. إذاً فالمخاسر هي توقف عجلة الإنتاج في معظم مصانع القطاع العام وخصوصا في القاهرة الكبرى ومدن صناعية مثل الإسكندرية والمحلة والسويس أثناء الأحداث، كذلك توقف حركة السياحة وتحويلات المصريين بالخارج أثناء أحداث الثورة، وكلها مخاسر هينة في سبيل النهوض بالبلد إلى هذا الوضع الجديد، أما الخسائر الكبرى التي لا تعوض بمال فهو فقدان خمسمائة شاب وإصابة آلاف من شباب الوطن الذين كانوا وقود هذا التغير نسأل الله أن يرحمهم.
المكاسب:
إن قدر الله لنا المضي في طريق صحيح، وتم ما ينبغي من إصلاح، ولم تحدث انتكاسات للثورة، وتم القضاء على كل خفافيش الحزب الوطني، وكل خفافيش جهاز الشرطة وأمن الدولة السابقين، وتم تقليم أظافر النظام السابق نهائيا من البلطجية والمتعاونين والمستفيدين منه، ولم تحدث ثورة مضادة أو إبقاء وضع بيئة الفساد وتربته كما كانت من قبل، فإن المكاسب ستكون كثيرة وعظيمة أولها، عودة الروح العظيمة للشعب المصري روح العزة والكرامة والتعاون بين الناس، روح النكتة السياسية التي فقدت قبل الثورة بسنوات وخفة ظل الشعب المصري، روح المشروع القومي والهدف القومي الواحد، روح النضال وقيادة الأمة لما فيه تقدمها ووحدتها، والتغيير الذي حدث في مصر سيتبعه تلقائياً تغيير على مستوى المنطقة كلها يصب في صالح وضع مصر الجديد بالطبع، كما أن تطهير البيئة الداخلية من الفساد والمفسدين سيخدم الشعب المصري واقتصادها ومواردها على المدى القصير والبعيد، كما أن الرجوع إلى إنشاء وتنفيذ المشروعات القومية ذات القوة الداعمة للاقتصاد سيطور وينمى الاقتصاد وموارده ويزيد الدخل القومي المصري على المدى البعيد، إضافة إلى عدم الاعتماد على الاقتصاد الخدمي ذات الدخل المتذبذب المعتمد على المقامرة للأوضاع الداخلية والخارجية.
كل ذلك يتم في وضع سياسي جديد يتم فيه وضع آليات جديدة لإدارة الدولة، تساعد على محاسبة المقصرين والمفسدين، وتمنع انجذاب الشللية وأصحاب النفوذ المالي نحو أصحاب النفوذ السياسي، وضع سياسي ينهي زمن الرئيس الذي يحكم حتى الموت وينهي زمن الرجل الواحد، والحزب الواحد، والنادي الواحد، والمدير الواحد. وضع سياسي صحي يحكم فيه الشعب ويقرر مصيره بيده كل أربعة سنوات. مأ  ععهعهعهتعهتلل
المكاسب كثيرة ولا حصر لها عندما نتوحد سويا في سبيل إقصاء الذين يريدون انتكاس هبة هذا الشعب، سواء أكانوا في الداخل أم كانوا في الخارج، والأيام القادمة وضعها دقيق وشديد الحساسية إن قدر الله لنا الخروج منها بسلام (نسأل الله ذلك) سننطلق بدولتنا نحو آفاق جديدة.
           
     

الخميس، 24 فبراير 2011

أنا المجد

قالها مختالا فخورا رافعا أنفه إلى السماء كعادته، قالها بصوت مرتفع ضارباً بقبضته على المنصة التي يلقي خطابه عليها، وقد بدت عليه علامات التوتر والانفعال، وهذا ما كان يخفيه طيلة الخطاب، ولكنه مفضوح بأفعاله التي تظهر هذا الخوف والقلق من ظهور الحق وإزهاق الباطل.
 فقائد الثورة تأتيه الآن أمواج الثورة الحقيقية وتحاصره من كل مكان لتقضي على ثورته المزيفة، ثم استرسل في الحديث فعدد نسبه وقال أنا ابن فلان وفلان الذين استشهدوا من أجل هذه الأرض وتحريرها من الطليان، ولكنه نسي أن يقول: من أنا؟ وما تاريخي؟ وماذا فعلت؟ وماذا حققت؟ فليس الفتى من يقول قد كان أبي، وإنما الفتى من يقول ها أنا ذا، فمن أنت؟ وماذا فعلت أيها القائد الذي يحب أن يكنى بقائد الثورة، والتي تسلمت بعدها البلاد وهي واعدة بثروات طائلة ومستقبل زاهر، فلا أنت استثمرت هذه الثروات فيما ينفع البلاد والعباد ولا أنت ترك البلد بمستقبل واضح.
كذبت أيها العقيد فلقد خرجت علينا أعواما تلو أعوام وسنين تلو سنين، فألفت كتاباً سميته الكتاب الأخضر وجعلته دستور البلاد وفيه من الزيف ما فيه، صرفت أموال ليبيا في عمليات مخابرات تناطح بها الدول الكبرى، فضربوك في عقر دارك ووقعوا عليك عقوبات أهلكت الحرث والنسل على مدى سنوات، وفرضوا عليك تعويضات من دم الشعب بمليارات الدولارات، وسلمت معداتك النووية التي كنا نتمنى أن نرى إنتاجها، وأنفقت أموالا طائلة لعمل زعامة زائفة على ممالك بائدة في أفريقيا، وضيعت شعبك وبلدك ذات الإنتاج الوفير من النفط الجيد، ونهبت ثروتها وقسمتها على ثمانية من الأولاد يعيثون الآن في الأرض الفساد، يذبحون شعباً أراد اليوم أن يقول لا، بعد اثنين وأربعون عاماً من التخلف والتراجع والكساد.
أيها العقيد يا قائد الثورة، ارحل ولا تقف في وجه شعبك تريق الدماء وتأبى أن تتركها إلا خرابه مدمرة، ارحل وتنحى كي نرتاح من هذه الطلعة البهية التي تمثل فيها دور العبيط في ثوب الديكتاتور، ارحل كي لا نرى هذه الملابس التي تثير الغرابة والاشمئزاز وتعبر عن مكنونك الداخلي من البارانويا والفصام والشيزوفرينا، ارحل بكل أمراضك النفسية واترك ليبيا لليبيين كي يعيدوا بناءها ويرسموا مستقبلها، ارحل أنت وأولادك فإننا رأينا حالة من توريث التكية ليس لها مثيل، وكنا في مصر يحترق كبدنا عندما نرى وريثا واحدا، فكان الله في عون الإخوة الليبيين الذي يرون ثمانية ورثة لثروتهم وبلدهم.
ارحل أيها الديكتاتور الدموي فعدو عاقل خير من صاحب مجنون. 

الاثنين، 21 فبراير 2011

الراكضون خلف ركب الثورة

اليأس وفقدان الأمل في الإصلاح كان الشعور الأخير الذي سيطر على معظم المصريين في بداية العام الجديد، فلقد استقبلوا هذا العام الذي أحدث تغييرا جذريا في الدولة المصرية والذي سيكون من الأعوام التي لن تنسى على مر التاريخ حيث أنه أصبح عام التغيير بامتياز، أقول استقبل المصريون هذا العام على وقع تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية، فصدم المجتمع بهذا العمل الغريب على مصر وعلى أهلها، وكان التشاؤم هو المسيطر على الكثير من فئات المجتمع، فالانتخابات البرلمانية الأخيرة لمجلسي الشعب والشورى كانت فجة في التزوير والبلطجة وقسوة معاملة مؤسسة الشرطة مع المواطنين الذي أرادوا الإدلاء بأصواتهم، فخرجت بصورة سيئة جدا زادت من انطباع اليائس والتسليم بأن الحزب الوطني المسيطر على مقاليد الأمور في البلد هو الذي سيدير ويرشح وينجح مرشحه في انتخابات رئاسة الجمهورية القادمة في نهاية هذا العام، لذلك فالهول والذهول من قتامة المشهد ووقوع أحداث جسام زاد من إحباط المصريين للوضع السياسي لدولتهم، كان هذا هو عنوان العام الجديد إلى أن بدأت أحداث تونس بعد إضرام البوعزيزي النار في نفسه احتجاجا على المعاملة السيئة التي تلقاها من إحدى الشرطيات.
ولأن النظام المصري كان في أوج قوته وسطوته، ولأن المجتمع المصري كان في أشد حالات خوفه من المواجهة، وفي أشد حالات الإحباط واليأس والتشاؤم من القادم وإدراكه صعوبة القيام بعمل جماعي اعتراضا على سياسة النظام وذلك لفشل المحاولات السابقة وإجهاض النظام لها، فقد كانت المحاولات الفردية للاحتجاج بإشعال الناس بإحراق بعض الأٍفراد لأنفسهم أمام مجلس الشعب وفي شارع القصر العيني هي الطريقة الجديدة التي يعبر بها وذلك تقليدا للمشهد التونسي، إلى أن اتفق آلاف الشباب على الاحتجاج الجماعي على سوء الأحوال السياسية والاجتماعية في مصر وكان ذلك تزامنا مع عيد الشرطة، وهي المؤسسة التي أرادوا أن يوصلوا لها رسالة مفادها أن يوم عيدكم وفرحتكم بقوة سطوتكم على الشعب هو بمثابة يوم امتعاض وحزن واحتجاج لنا، لأنكم أهدرتم كرامة الشعب وناصرتم النظام وحزبه على جموع الشعب ومن هنا بدأت شرارة الثورة.
لا شك أن الخوف هو صفة من صفات الإنسان الفطرية، تسيطر عليه هذه الصفة عندما يواجه خطرا ما، لذلك فمن الطبيعي أن يكون وضع الاحتجاجات في بدايتها متسم بقلة المشاركة ومشاهدة الموقف من بعيد بفعل هذا الخوف، كما أن حالة الخوف ليست وحدها من يمنع الناس من المشاركة، فهناك أيضا حالة اليأس من التغيير والتشاؤم من الفشل الذي أصاب عدة احتجاجات سابقة لم تغير الوضع بل ربما زادته سوءاً، ولا شك أن من بادر ونزل منذ بداية الأحداث هو من حرك تلك الجموع التي انضمت لاحقا، وأن من استشهد أو أصيب في سبيل كلمة الحق فهو شجاع ومبادر ويستحق الثناء والتقدير من جميع الناس، ولذلك كان ركب الثورة في بدايته قليل وقافلته تُرى بدايتها ونهايتها وأولها من آخرها، ولابد هنا من إحقاق الحق ورد الجميل للذين بدأوا هذا الحراك وهم من أشعلوا النار في أنفسهم، ومن بادر ونزل متوجها إلى ميدان التحرير بدءاً من يوم الثلاثاء 25 يناير وحتى يوم الجمعة 28 يناير فهذه أصعب مراحل التحرك، والذين نزلوا في هذه الفترة والذين قاموا بمبادرات فردية قبلهم هؤلاء جميعا هم "وقود الثورة ومحركها" ولهم الفضل بعد الله في التغيير فهم صفوة ونخبة التغيير وهم محرك الثورة الذي أخذ على عاتقة حلحلة وخلخلة الحمل الثقيل الجاثم على صدر الشعب.
ودائما ما يكون للثورات عمليات حسابية يتوقعها المحللون، فكلما زاد عدد المصابين والشهداء كلما ارتفعت أعداد المنضمين، وتجد هذه الانضمامات تحدث بأسلوب المتوالية الهندسية، فكلما زاد عدد الشهداء والمصابين  وزادت أيام المقاومة والاحتجاج كلما ارتفع سقف المطالب والقصاص العادل من الذين آذوا الجموع وصدوهم وارتكبوا بحقهم الجرائم، وأيضاً كلما طال وقت الاحتجاج وصمد المحتجين كلما انضم إلي ركبهم المزيد من الشعب، وقلت حالة الخوف العام وزادت حالة الصمود والقوة والشجاعة أمام قوة البطش والتحدي.
إن من الطبيعي أن تجد دائرة الاحتجاج تتسع شيئا فشيئا، وأن تضم القافلة مزيدا من الناس طبقا لظروف وحالة كل منهم الاجتماعية والمهنية ودرجة وقع الظلم عليه، وكذلك بدرجة التأثر المباشر من النظام الحاكم من أهالي المعتقلين والمصابين والشهداء،وليس عيبا أن ينضم معظم الناس بعد تلاشي حالة الخوف من النظام وآلته وازدياد انطباع "الكثرة تغلب الشجاعة" وازدياد الأمل في التغيير والشعور بأن الضغط على الظلم والطغيان بدأ يؤتي أكله، وهذا هو حال معظم الشعب وأنا واحد منهم، وهنا يكون عامل الوقت مهم جدا في عملية اللحاق بالركب وكل دقيقة تردد أو تأخر تحسب ضد من يأتي متأخرا، لذلك يجب تصنيف المنضمين إلى ركب الثورة إلى ثلاثة أصناف من البشر.
النوع الأول ممن لحق بالركب هم عامة الشعب من الذين طحنهم كمد العيش وألهب جيوبهم غلاء أسعار النظام، وهم من الذين تاهوا في دروب البحث عما يسد رمقهم وغصت حلوقهم لهثا خلف سراب الحد الأدنى من الكفاف دون جدوى، وهم الذين أرهقهم النظام السابق وضيق عليهم، وهؤلاء هم السواد الأعظم من الناس وقد كان عامل الوقت في صالحهم بل هم من ساعد في استمرار إيقاد شعلة الثورة بل هم من أفسد مخططات إجهاض حركة الشباب بمعارك الجمال والبغال والحمير والمولوتوف وعمليات القنص التي حركت الغضب وأدت إلى ازدياد الانضمام للثورة، وهؤلاء المنضمون عفويون وليست لديهم أجندات سياسية بل لديهم مطالب اجتماعية برفع الظلم وتحسين الأحوال المعيشية.
النوع الثاني  ممن انضموا إلى الركب لديهم خصومات سياسية وقضايا شخصية واحتكاك سلبي بالنظام على مدى السنوات العشر الأخيرة، وهم الأحزاب السياسية وجماعة الإخوان المسلمين والحركات الأخرى، وقد جاءوا في الصف الثاني لتأخرهم في المشاركة بسبب فشل تجاربهم السابقة في عمليات التظاهر والتحرك السلمي، وانضمامهم هو حق مشروع لهم للمطالبة بالمشاركة في الحياة السياسية للدولة، ورغم تأخر انضمام البعض منهم إلا أن عامل الوقت كان مهما جدا بالنسبة لهم ولقد لحقوا بالعربة الأخيرة من الركب وبذلك فهم غير ملومين.
النوع الثالث من المنضمين إلى ركب الثورة هم من يلهث الآن ويركض للحاق بركب الثورة من الذين كانت لهم مواقف مضادة من الثورة ومن القائمين عليها، وهنا يجب التفريق بين نوعين من هذه الفئة، النوع الأول هو المؤمن بمطالب الناس المشروعة ويخشى الفوضى والخراب، وهؤلاء موقفهم محمود وهم لم يقوموا بأعمال سابقة ضد الشعب استغلالا للسلطة، ولم تلوث أيديهم في قضايا سلب ونهب، وهم يمثلون بعض رموز المجتمع من الفنانين والمثقفين وأصحاب الشهرة في الحقل الرياضي وغيرهم، وهؤلاء يجب ضمهم إلى الركب وعدم نبذهم طالما أنهم لم يقوما بأعمال سابقة مناوئة لعملية الإصلاح، أما النوع الثاني هم حديث هذا المقال، وهم من نسلط عليهم الضوء الآن، هم الذين كانوا يعولون على قوة النظام في صد الاحتجاجات كعادته وعادتهم به، هم من كانوا ضد الثورة وضد مطالب الناس على طول الخط ومعظمهم من منسوبي الحزب الوطني، ورؤساء الصحف القومية ومعظم رؤساء الأقسام في اتحاد الإذاعة والتليفزيون وكذلك بعض المسئولين الذين كان يغدق عليهم النظام من قوت الشعب ليشتري ولاءهم، هم من أصحاب المكاتب المكيفة والرواتب التي تتعدى الستة أرقام، هم من رجال الأعمال وبعض الوزراء السابقين وبعض المسئولين الذين تورطوا في أعمال فساد، كل هؤلاء ممن بدلوا مواقفهم وغيروا انتماءهم وولاءهم من يركضون الآن وتخرج ألسنتهم لهثا خلف رضا الشعب، هؤلاء الذين لم يدركهم عامل الوقت وسقطوا في فخ قوة النظام الكرتونية، وعولوا على ضعف الشعب المستكين السلبي، هؤلاء هم الراكضون خلف ركب الثورة الذين لابد أمامهم إلا الاعتذار للشعب و الخضوع للمحاسبة لمن أخطأ منهم، ولابد من دحرهم عن مناصبهم لكشف المزيد من الثغرات والأخطاء المساعدة في محاسبتهم، فبقاءهم في أماكنهم ومحاولات الانضمام إلى صفوف الركب للذوبان في الشعب ونسيان الماضي وإخفاء مستندات إدانتهم هي شغلهم الشاغل الآن، ونحن هنا لا ندعو لنصب محاكم تفتيش بقدر ما ندعو إلى تطهير المجتمع من بعض المنافقين والدجالين السياسيين الذين يريدون اللحاق بركب الثورة والانضمام للصفوف لإخفاء ما اقترفت أيديهم وما امتلأت به خزائنهم على أيدي النظام السابق.     

السبت، 19 فبراير 2011

رسالة إلى الشهيد محمود كعيب

أخاطبك من الدنيا محموداً، وأعلم أنك كنت وحيد
وبإذن الله حي ترزق، وكُتبت عند الله شهيد
رثاؤك بين الناس عبرة وعهد علينا ألا نعود
بقاء سيرتك ذكرى، وسكناك في دار الخلود
روحك تحوم حولنا تضيء أركان البيوت
ترينا أفاعي الشقوق، تسقط أوراق التوت
 تكشف وكر الخفافيش تمزق خيوط العنكبوت
ملأت مدينتنا دفئا، بعدما أعجزنا صقيع الجمود
طلبت من الدنيا علما، وطلبت العلا بغير حدود
رسالتنا إليك عهد، سنظل  لدرب العلا جنود
فشكرا يابن كفر شكر، شكرا  يابن آل كعيب
خرجت تقول للشر كفى، خرجت ترجوه ألا يعيب
خرجت تهتك ستر الظلم، وتكشف كل الألاعيب
جعلت لنا كيانا ًوشأنا، بعدما كنا لأنفسنا نعيب
تركنا رقبة الظالم وعبنا زماننا، فأمسكناه بالتلابيب
سهونا عن المجد لبرهة، فأبى الأحرار لغير الله سجود
أيا مصر رجال مجدك للعدى، على مر الدهر صمود
وبفضل دمك ودم الشهداء، بتنا شعباً له كلمة
فرحم الله شهداء الثورة، رحم الله أرواحاً حرة
مهما كتبنا أو دونا، لن نوفي شهيداً حقه
رفعت رأس أهلك فينا وعلى ذلك نحن شهود
وتشفّع في أهل بيتك يوم يحشر الناس وفود
سنكون لأبويك أبناءاً، وسنملأ أبوتهم عزوه
رحم الله شهيداً فينا، وجعل مثواه الجنة
سندعو لك دوماً بالرحمة، حتى بعد زوال الغمة
نم قريراً سعادة المستشار، فالقاتل مثواه النار
سيدون التاريخ اسم الشهيد، وستنسخ قائمة العار
لن تكون من الآن وحيدا، سيؤنسك شهداء أبرار





أحوال بلاد العرب أثناء التدافع والثوران

أحوال بلاد العرب الآن أثناء التدافع والثوران
نبدأ من تونس التي من الله عليها كمنه على قوم يونس، فلما طالبوا بالحرية كُشف عنهم العذاب، ورحل الطاغية خارج البلاد، فسلاما على أهل تونس الخضرا، صاحبة عنوان إذا الشعب يوماً أراد الحياة، نتجه صوب الشرق، ونتخطى ليبيا حديثة العهد، التي تمر الآن بعسير مرحلة المخاض، إيذانا ببدء تخليص العباد والبلاد، ممن ألف أخضر الكتاب، واتخذ من العبط سبيل الرشاد، وسنبارك لهم عند رحيل العجوز خارج البلاد.
ونحط الرحال في بلد الصد والذود عن كل البلاد، نحط الرحال في أم الحضارة، قاهرة الفراعين، نصيرة الأنبياء، أم شعب الإباء، فنحن الآن في مصر بلد التاريخ والنصر، كنانة الأمة، عالية الهمة، هبة النيل، ذات التاريخ الجميل الطويل، والهواء العليل، والشواطئ والنخيل، حاضنة وادي النيل، إنها الآن في زهوة عصر النصر، بعد إسقاط رموز الظلم والقهر، وتقديم دماء الشهداء مهر، وصبر أهل الرباط على الذل والهوان، والتكبر والطغيان، فقام الشعب بعد السلب والاستعباد، وظهور شرور الفساد، فكان في البحر والبر، وضاع فيها الحق والبر، فأزهق الله الباطل وأتى بالحق، وإن أحد أسماء الله هو الحق.
نذهب إلى اليمن السعيد، وشعبه العنيد، ورئيسه الرعديد، والذي اتخذ من الحاشية عبيد، فنرى المشهد من بعيد، والناس تصيح في النظام، ارحل ارحل قبل فوات الأوان، فنحن نناديك الآن، ولا نعلم غدا أي الطرقات تخرج منها بأمان.
 نطير على البحرين، وهنا يختلف الوضع مرة أو مرتين، فالمطالب فئوية وتصب في المذهبية، والأجندة خارجية، ولهذا فإن اجتماع وزراء الخارجية، للدول الخليجية، سيدعم مملكة البحرين، وسيبقيها في حضن الخليجيين، وسيكون هناك من الإصلاح ما يكون أقل المباح.
 هيا إلى الأردن حيث أن مطلب الإصلاح أعلن، وتقليص صلاحيات الملك ممكن، وإطلاق الحريات له أهون، وعدم التضييق على الشعب وحريته مطلب له قد يذعن، ونداء الصلاح رفع ومؤذنه قد أذن.
وبلاد الشام في  سوريا صمت قبور ورعب في قلب شعبها يدور، فإنه فريسة الأسد الجسور، الذي يظهر بلباس الواعظين، ويتخذ من التقية دين، ويأمر الناس بما ينسى به عقله المسكين، ونحو إسرائيل مستأنس ومستكين، والحكم فيها لزمرة العلويين، ومهما غابت فيها حقوق المطالبين، أو نكل بالإخوان المسلمين، فإن الأمر آتيها ولو بعد حين. أما لبنان ضحية الانقسام، والمذهبية والطائفية وصريع الأمريكان، وإسرائيل وسوريا وإيران، وهو يا حسرة أرض الجنان، محشور بين الفرس والروم، ووضعه مأزوم وشعبه مقسوم، وكل حزب فيها بما لديهم فرحون.
 فلسطين بها الأقصى حزين، والقدس تصرخ على الملايين، لكن لا ملبي ولامعين، والفساد والتبذير لمنظمة التحرير دين، وفتح وحماس على النبذ والفرقة متفقين، ولدعوات المصالحة غير آبهين.
بلاد الرافدين أرض العراق أرض التشرذم والعراك، والعرب بعدوا واستسلموا بعد سلام الضعف والفراق، وإيران تلعب فيه مع أمريكا بورقة الشيعة، لتنوء ببعض أشلاء الذبيحة، وفتات الخبز وطبق المرق، بعدما صادها الصياد الأمريكي وسهمه فيها مرق، وتفرق شعبه وتحزب فكون الفرق.
 أما الإمارات وقطر والسعودية فالوضع فيهم مستقر ولا ينبئ بحراك ما دام في العمر بقية، والكويت لا ندري أي أمر لها يدبر وعلى أي أمر يا شعبها نويت، وهل سيتحرك الناس للإصلاح أم إلى التمذهب والانبطاح، وعمان معزولة عن الوجدان لكنها كأخواتها الخليجيات مستقرة حتى الآن، ولا نعلم إن كان وضعها في أمان، أم أن هناك تحت الرماد دخان.
جيبوتي والصومال سقطوا من الحسابات ونسيناهم بحال من الأحوال، وأصبح وضعهم بعد التشرذم والانحلال، وأمرهم عجب، فلا هم عجم ولا هم عرب.
 الجزائر ليست معزولة عن باقي الحرائر، ووضعها مرهون بالانفتاح على الشعب الثائر، وإذا وقع المحظور فلن يمر الوضع بدون خسائر. وفي المغرب فإن التعتيم والفساد يمكن أن يكون له مغرب، مع صحوة أهل الحق في بلاد المغرب، موريتانيا في بضع السنين الأخيرة كانت الانقلابات بها عنوان، ولم يتحقق منها الإصلاح وتكريم الإنسان، وازداد موقفها حيرة وأصبح بلا عنوان، وأهلنا في موريتانيا يعانون من القاصي والداني إما من فرنسا أو حتى أسبانيا.
السودان صار ملعب الأمريكان، عنوانه الانفصال الآن، وهو مشغول به ومليء بالأحزان، ونسأل الله ألا يقتطع جزء جديد لا في الشرق ولا دارفور، ولا يحرض أحد منهم فيندفع أهله ويثور. أما جزر القمر المنضم الجديد، فأصبح قمرها بعيد، وعاد كالعرجون القديم، ثم صار هلالا وليد، لا يرى إلا بصعود الجبال، وعودته من سطوة إيران نسج من الخيال.     
ويمكننا تلخيص الأحوال في بعض مأثور الأقوال، ربما توصف الحراك السيال.
·       مصر تحصر الفساد حصر، وستنهض لتعيش العصر، وستقود الأمة  نحو طريق النصر..
·       ليبيا في تعبئة شعبية، وتخطت مرحلة الفوبيا.
·       تونس تخطت الصعاب، ونتمنى أن يكون حال شعبها الآن بعد كشف العذاب كحال قوم يونس.
·       الجزائر الوضع فيها حائر، لكنها لن تتخطاه بدون خسائر، وسيقود فيها أهل البصائر.
·       المغرب الفساد والتعتيم ليله محدق، وشمسه أوشك أن يكون لها مغرب.  
·       موريتانيا يمكن للشعب أن يثور على الانقلابات ويرفض تدخل فرنسا وأسبانيا.
·       السودان مشغول بالانفصال ومليء بالأحزان ومرصود من الأمريكان.
·       جيبوتي نسينا أنها دولة عربية ورغم ذلك فلابد أن تحيي ولا تموتي.
·       الصومال تفتت وعودته محال إلا أن يعود أهل الشمال وتركه لأثيوبيا وبال.
·       اليمن السعيد سيعود من جديد لكن الحذر من المتربص الشرقي البعيد.
·       عمان معزولة عن العالم  ووضعها ليس في أمان.
·       الإمارات أهلها في اتئاد ووضعها في ثبات.
·       قطر أهلها في بطر ووضعها ليس في خطر وتحالفها مع إسرائيل وأمريكا وإيران جعل الكل منها ضجر.
·       البحرين المذهبية إلى أين فطريق الإصلاح أصبح طريقين.
·       الأردن أذان الإصلاح رفع ومؤذنه قد أذن ولا بد للملك أن يذعن.
·       الكويت كمثل العنكبوت اتخذت بيتا ضعف وهوان وعلى الباب إيران.
·       العراق مذهبية وطائفية وقهر وظلم وعراك وعرب بعيدون بعد الفراق.
·       سوريا أسد يأمر بالبر في ثياب الواعظين وصمت رعب فريسته من الشعب يخشبها وتحدق بالماكرين، وسوريا العلويون فيها سطوتهم عليا.
·       لبنان أرض الجنان خربتها الطائفية والمارونية وإسرائيل وسوريا وإيران.
·       فلسطين عشقت أرضها الملايين، وتركتها للصهاينة الملاعين، وتصارع على الفتات بقية المشردين.
·       أما بلاد الحرمين فهي مقر الدين ووضعها مستتب وستكون للكنانة خير معين.
·       جزر القمر منضم جديد، متواري مثل الهلال الوليد، وليس له من اسمه نصيب. 



       

الجمعة، 18 فبراير 2011

وخرج المارد من قمقمه

وخرج المارد من قمقمه
مشهد هز الكيان وزلزل الوجدان وحرك المشاعر وأرعب الأعداء وأذهل عقولهم إنه مشهد خروج المارد المصري من قمقمه في يوم جمعة الاحتفال بالثورة المصرية مشهد أم فيه الشيخ يوسف القرضاوي نحو ملونين من المصريين في ميدان التحرير والميادين المجاورة والشوارع المؤدية إليه، صلوا فيه صلاة الجمعة وصلاة العصر جمع تقديم، وصلوا صلاة الغائب على شهداء مصر الأبرار، وامتلاء المكان بالتكبير والتهليل وكأنه يوم العيد، فاغرورقت عيوننا بالدموع واقشعرت أبداننا فرحا من المنظر، وظهر الشعب المصري المتحضر الأصيل بشكله المنظم الراقي الذي لم نره منذ عقود.
رأينا في هذا المشهد ظهور الحق واضمحلال الباطل، ورأينا النور يسطع في وجوه المجتمعين والأمل يتراقص في عيونهم والحمد والتهليل يعلو بينهم، بينما الظلام يتضاءل ويضمحل مع رموز الظلم والفساد الذين يتوارون عن المشهد شيئا فشيئا فكان شريط الأخبار ينقل خبر حبس أربعة منهم 15 يوما على ذمة التحقيق أثناء الاحتفال، وبهذا سيتلاشى وجودهم ويزهقون لأنهم باطل زهوق وهم معه زهوقا.
رأينا الحضارة والفكر والعلم والتاريخ والتواد والتراحم والإنسانية والإصرار والتحدي والشموخ والمجد والقوة في الشعب المصري الذي تحمل وصبر وثابر منذ عقود، تخلى فيها كرها عن توحده في المطالبه بحقوقه، تخلى فيها كرها عن انتمائه، وأشغل في البحث عن لقمه عيشه وغيب عن الواقع.
الاحتفال بنجاح الثورة في ميدان التحرير ظاهرة حضارية مصرية ذات طابع خاص، أصبغتها الأغاني الوطنية المصرية والأعلام المصرية التي ترفرف في ربوع وأركان الميدان وما يحيطه كما ظهر في هذا المشهد رموز دينية إسلامية ومسيحية ورموز سياسية واجتماعية، ازدان بها المشهد فعكس للعالم أجمع عراقة وحضارة وخصوبة هذا الشعب الذي سيثبت للعالم أنه كان وما يزال صاحب فكر وعلم وحضارة.
تخيلت وأنا أرى هذا المشهد فرح الأمة العربية والإسلامية بهذا العرس المصري، وتخيلت مشاهدة الأعداء لهذا المشهد وخوفهم من عودة المارد الذي سيكون له هيبته ورهبته في قلوبهم كما كان من قبل، تخيلت مصر عروسا مزدانة بهذا التجمع وهذا العرس إنه عرس الحرية والكرامة، إنه عرس ثورة الخامس والعشرون من يناير الذي نتمنى أن تتحقق جميع أهدافها لتعود مصر تاج الأمة وعرينها إن شاء الله.
إن خروج المارد من قمقمه حري به أن يغير وجه الحياة على أرض مصر، فيقضي على العشوائية والمحسوبية والفساد والرشوة وأعمال السلب والنهب لأرض مصر، ويظهر الوجه الآخر لمصر الذي يعرفه العالم عنها بفضل هذا الشعب لنرى حضارته وتنظيمه وعلمه في تعمير وبناء ورقي هذه الأرض المباركة، فيتغير وجه الحياة فيها وبالتالي تتغير معها المنطقة المحيطة بها عربيا وإقليميا وعالمياً.
إنها مصر التي إن تحرك شعبها وعاش بحرية وكرامه ترى أثر ذلك في حرية وكرامة المنطقة العربية كلها والتاريخ يشهد لها بذلك عشت يا مصر وعاش شعبك أبيا كريما.  
   

الأربعاء، 16 فبراير 2011

مصر يا أمنا






مصر يا أمنا
يا أم التاريخ يشهد لك المولى
مين اللي زي ولادك الشهدا
رجالة جد دول قاموا بالثورا
ضحوا بحياتهم لعيونك الحرا
مصر يا أمنا
وتعيشي حرا لأمتك يا أميرة الأمرا
يا أمنا ياساكنا جوانا
هواك حر رجعنا لصبانا
غاليا يا أرضنا وسمانا
نيلك راوينا في تعبنا وشقانا
مصر يا أمنا
وتعيشي حرا لأمتك يا أميرة الأمرا
أنت يا حرة كنانة للأمة
وفيك الأهل والصحبة واللما
دول أهل علم وكلهم هما
وبإيمانهم تنزال الغمة
ومهما بعدوا مالكيش غير هما
مصر يا أمنا
وتعيشي حرا لأمتك يا أميرة الأمرا
يا طيبة تملي حضنانا
أصلك عفي بالخير مليانا
حضنك دفا جمّعنا دفانا
يا مفرقا وهازمة في عدانا
مصر يا أمنا
وتعيشي حرا لأمتك يا أميرة الأمرا
أهلك دول أهل دين
ولاد بلد وطيبين
وأما تناديهم قريبين
لساعة الجد دول مشتاقين
يضحوا بحياتهم لجل الدين
مصر يا أمنا
وتعيشي حرا لأمتك يا أميرة الأمرا

"خلي الجيش ينفعك"

"خلي الجيش ينفعك"
هكذا قال وزير الداخلية السابق للرئيس السابق حسني مبارك، في آخر مكالمة هاتفية دارت بينهما، عندما اتصل عليه الأخير يوبخه على البيان الذي أرسله لمبنى الإذاعة والتليفزيون، والذي يشير فيه إلى وقوف جماعة الإخوان المسلمين وراء التظاهرات، وأن هناك أياد أجنبية تحرك تلك التظاهرات، والذي يهدد فيه أيضا بأن الشرطة ستتعامل بكل حزم وستستخدم القوة مع هذه التظاهرات.
الجملة التي قالها العادلي لمبارك لم تكن من باب الاعتراف بقوة الجيش ومكانته، أو من باب ثقته في هذه المؤسسة المصرية العظيمة، بل كانت هذه الجملة من باب التمرد على القائد، وعدم المسئولية والتقدير للمنصب المنوط إليه، والنظرة الضيقة والمستهترة للأمن القومي المصري لشخص لا يعي معنى وقيمة القوات المسلحة المصرية، وكان هذا التمرد معززا لما يدور برأسه من أمثلة أفكار "أنا ومن بعدي الفوضى" أو  كفكر شمشون "أهدم المعبد على من فيه" كاشفاً بهذا الفكر حجم الخلايا النائمة التي صنعها من أجل التعامل القذر مع ملفات مختلفة، أدراها داخل كواليس وزارة الداخلية، وهي المؤسسة الأولى المعنية بحفظ الأمن الداخلي المصري والتي استخدمها ووظفها لتحقيق أهداف قذرة تضر بالأمن القومي الداخلي، وتزكي الفتنة الطائفية وتقوي من شوكة أمن الدولة ضد أبناء البلد الشرفاء، علاوة على غض الطرف عن عمليات التعذيب والرشى والفساد داخل مؤسسة الشرطة المصرية.
إن وزارة الداخلية هي عنوان انضباط الشارع وحامية المواطنين من البلطجية واللصوص والنصابين، وهي صمام أمان السلم الأهلي والقائمة على الأمن الاجتماعي للدولة، ودورها في السنوات الأخيرة كان مغايرا تماما لما تقوم به مؤسسات الشرطة في أي نظام، فرواج تجارة المخدرات وانتشار البلطجية والنصابين وغياب الأمن الاجتماعي ووجود كثيرا من المشكلات التي تحل بالقوة بين الناس أو بالجلسات العرفية خارج أقسام الشرطة والسمعة السيئة التي أحاطت بها في عمليات التعذيب الممنهج والعشوائي، وعمليات السلب والنهب والرشى وإطلاق النار في المظاهرات على المواطنين، كلها أسباب أفقدت المواطنين الثقة في هذه المؤسسة لذلك يجب أن يبادر الطرفين لاستعادة هذه الثقة من خلال خطوات مدروسة وممنهجة وقوانين صارمة تقوم عليها الحكومة الانتقالية والوزير الجديد ومساعديه في هذه المرحلة، ليتم تطبيقها في النظام الجديد.
أما الجيش فهو لم ينفع الرئيس السابق وحده بحفظه للأمن وقت المظاهرات أو بتعامله الممتاز مع المواطنين، أو بإدارته الممتازة لهذه الأزمة الأمنية، بل نفع الشعب المصري كله بأن أخذ على عاتقه إجراء إصلاحات جذرية، وإدارة البلاد في مرحلة انتقالية، وتنفيذ مطالب الشعب بكل أريحية، وعندما تنتهي هذه الفترة العصيبة وتعود الأمور لنصابها، وتهدأ الأوضاع وينتهي الفراغ السياسي ويكون لمصر برلمان منتخب ورئيس مدني منتخب، سنقول للجيش شكرا على ما قدمته لخدمة بلدك، ونقول له نفعت مصر كلها، وقمت بواجبك في أيام تربص فيها الأعداء، ووقت لا ينفع فيه الأصدقاء، أما كل من خان وغدر فإن القضاء العادل بانتظاره، ونقول له اليوم "خلي تمردك و فكرك التخريبي ينفعك".