إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 20 أغسطس 2011

اختيار الناخب المصري في جو الحرية الحصري

اختيار الناخب المصري في جو الحرية الحصري
أيام قليلة ويبدأ ماراثون الانتخابات البرلمانية الأولى التي ستكون شفافيتها وجو الحرية التي ستعقد فيه أولى ثمار الثورة المصرية.
نتذكر في الانتخابات الماضية في 28 نوفمبر 2010م، مدى فداحة أعمال البلطجة التي لازمتها، ومدى فجاجة عمليات التزوير التي تمت لصالح الحزب الوطني المنحل، ومدى التواطؤ والمداهنة الذي أصاب بعض الأحزاب المعارضة في تلك العملية والتي نتج عنها مجلس شعب تفصيل على مقاس وعلى أهواء الشلة الحاكمة آنذاك.
اليوم انتخابات مجلس الشعب 2011م، تختلف اختلافاً كلياً عن سابقاتها في العديد من الأشياء، فالمناخ السياسي اختلف جذريا عن سابقه، وأصبح هناك متسع من الحريات تمنح الأحزاب طرح مرشحين وتمنح الناخب حرية الإدلاء بصوته لمن يريد، أما الوضع الأمني فقد انقلب رأساً على عقب وأصبح هناك بعض الانفلات في بعض المناطق، ورغم تدهوره إلا أنه يمكن للجيش أن يسيطر على الوضع بالتعاون مع الشرطة، وخصوصاً إذا قسمت الانتخابات على عدة مراحل كما أعلن.
السؤال المطروح على الساحة السياسية الآن والذي ربما يسأله العديد من الذين سيشاركون في تلك العملية الانتخابية، هل تمنح الثقة لمرشحي الأحزاب القديمة التي كانت عبارة عن هياكل خاوية تعيش تحت ظل سلطة مطلقة لحزب واحد دون أن تحرك ساكن؟ وهل الأحزاب الجديدة عديمة الشعبية والغير معروفة لدى معظم طوائف الشعب قادرة على المنافسة؟ وهل أجندات وخلفيات تلك الأحزاب القديمة والجديدة أو برامج المرشحين المستقلين تستطيع جذب معظم البسطاء إليها وتقنعهم بأفكارها.
ومع احترامنا لمعظم الأحزاب السياسية القديمة والحديثة التي تتبنى أفكارا وقيما بعيدة كل البعد عن واقع المجتمع المصري، فإن هناك مقولة شهيرة للرئيس السابق في حديث صحفي لجريدة نمساوية تقول: أنه لو ترك مجال للتعبير الصادق والصريح للشعب المصري لاختيار من يمثله لساد الإسلاميون ولوصلوا لسدنة الحكم بسهولة.
وهنا أمامنا العديد من التساؤلات أبرزها، هل تبادر التيارات الإسلامية بطرح مرشحين لديهم برامج واضحة ولديهم من الفكر السياسي والتشريعي ما يكافئ هذا الشعب على هذا الاختيار؟ وهل ستتعاون تلك التيارات مع بعضها البعض وتنسق فيما بينها لتفويت الفرصة على قافذي السلطة والمتاجرين بالقضايا السياسية لتحقيق أهداف خارجية ومن ورائهم أعداء الأمة الذين لا يريدون لنا علوا في الأرض؟ هذا ما سنراه في الانتخابات البرلمانية القادمة وما ستجيب عنه المرحلة الحالية.
إن الصراع الدائر الآن على أشده لتحديد هوية الدولة الجديدة ورسم خارطتها السياسية والاقتصادية وعلاقاتها الخارجية يعتمد على الانطلاقة التشريعية الأولى للنظام الجديد التي ستشكل الأطر القانونية والتشريعية للسلطات الثلاث وستحدد دور كل مؤسسة بالدولة في إطار الحرية الممنوحة للمجتمع للتعبير عن آرائه واختياراته، وعندها ستكون الشرعية الدستورية والتشريعية هي التي تنظم وتبسط سلطانها بعد مرحلة الشرعية الثورية في المرحلة الانتقالية، وهذا ما يظهر الآن تصارع القوى السياسية المختلفة لحشد الآراء لصالح كل طرف في الأيام القليلة القادمة، فنحن أمام امتحان وجود نكون بعده أو لا نكون.    
        

الخميس، 18 أغسطس 2011

الخلايا المنومة

الخلايا المنومة
امتطى ظهر المنضدة القابعة أسفل الكشاف الضخم بغرفة العمليات الجراحية، تهزه ضربات قلبه رهبا من الموقف، فهي المرة الأولى التي ينوم فيها لاستئصال بعض خلاياه، لا يدري إن كانت تلك الخلايا قد تمردت على جسده أم أصاب نواتها الشره فنمت أزيد من الحد الطبيعي ، أم أنها أصيبت بالخرف الجيني، أو الارتباك الهرموني.
بابتسامة مصطنعة يسأله طبيب التخدير عن حاله فيبادله الابتسامة دون اصطناع مومئاً إليه برأسه أن ابدأ عملك سيدي.
يحقنه طبيب التخدير عقاراً فيخدر الجزء الأسفل من جسده مبقيا على نصفه الأعلى يقظا ثم يقيم ستارا بين صدره وبطنه وكأنه أمد الحجاب الحاجز لأعلى فلا يرى ما يفعل بأسفله.فيما الجراح يعقم يديه اللتان ستغوصان داخل أحشاء ذلك الجسد أثناء عملية الاستئصال.
 من نافذة ذكرياته ينظر صاحب نصف الجسد المخدر لتلك الأيام التي كان يسهر فيها على تلبية احتياجات ابنه مع هذا الجراح الشاب أثناء خوضهما شهادة الثانوية العامة وأثناء الدراسة بكلية الطب التي جمعتهما.
في اللحظات الأخيرة يدرك الرجل أنه لم يأتي لهذا المكان ولم يوضع في هذا الموضع اقتناعا منه بعملية الاستئصال وإنما مجيئه ورضوخه بين يدي هذا الجراح ما هو إلا حنينا وانجذابا خلف مشاعر تعصره بين الفينة والأخرى، فملامح ولده الذي وافته المنيه يراها في وجه زميله، ورائحته يشمها كلما اقترب منه، وعبق الزمن الماضي يلازم هذا الجراح كلما غدا أو راح.
اكتشف الرجل أخيرا أن تلك الخلايا التي أكنت كثيرا من الحب لهذا الجراح لم يكن داؤها ذاتياً، بل ربما تمارضت لتظل ملازمة لمن أحبت بينما هو من أجهز عليها بمشرطه يجزها جزا.
 تداركا للموقف وندما على إذعانه لعاطفته، هم لتحريك قدميه المنومتين فإذا هما كالجبلين، حاول أن يتعتع تلك الكتل التي أصبحت ضحية مشاعره المرهفة لكن دون جدوى، تصارعت ضربات قلبه تمنت لو أنها توقظ تلك الخلايا لتنسحب بهدوء من أمام من أحبت دون المزيد من إراقة الدماء.   
     

    

السبت، 30 يوليو 2011

الطاغوت

الطاغوت
من عل، لاحت رأسه في الأفق ومن ورائها ظهر ببطئ باقي جسده، لوح بيده للجمع فعلى صياحهم، أثار ذلك في نفسه الخيلاء، فاتسع صدره إلى حد الانفجار وكأنه ابتلع أحدهم، وسوس إليه أحد شياطينه المستشارين، أن انظر لتلك الجهة سيدي فإن بها زبد الغثاء أتباعنا.
بفحيح يحسبه تبسما، اتجه إليهم ملوحا بصورة أسرع، فبادلوه تلويحا جنونيا مصحوبا بصيحات أعلى أثارت اشمئزازه، فقال لشيطانه أغدق على هذه الثلة بتعيين أحد أفراخنا واليا عليهم.
استدار لينصرف فإذا الريح تطاير ثوبه الذي يبدله كل عام على تلك المنصة، وإذ بذيله يرتفع لترى الرعاع سوءته، صاح أحدهم رأيت سوءته... رأيت سوءته... إنه يمتلك واحدة مثلنا، يبدو أنه يأكل ويتغوط مثلنا، ويشرب ويبول مثلنا.
انهالت عليه الفئة الضالة ضربا فأسكتته حتى النهاية، فيما علا صياحهم مرددين من خلف ألواح الزجاج الواقي من الرصاص (وبصوت رخيم) ...نحن وراءك حتى الشرم.

الجمعة، 15 يوليو 2011

ثالوث الخوف

ثالوث الخوف

تتراءى أمام مخيلته هواجسه التي تؤرقه عندما يوشك على الدخول في المكان الذي يثير تلك الهواجس، هواجس تتراقص أمامه كما تتراقص انعكاسات أشعة الشمس المنبعثة من الأرض في ذروة تعامدها أثناء القيلولة، إنها الغرفة المظلمة التي لطالما حتم عليه عمله ولوجها ليل نهار لتحميض أفلام الأشعة التي يصورها للمرضى والمصابين القادمين للمستشفى، يزاد على ذلك تعكيرا للصفو وتكديرا، المبنى المهجور الذي وضع جهاز الأشعة فيه لحين الانتهاء من أعمال الإنشاءات الجارية على قدم وساق.
إنها ليلة شتاء طويلة وباردة يزيد ثقلها وعبئها عليه كلما أتته إحدى الحالات لتصويرها وفي إحداها قام فصور ودخل ليحمض الفيلم فإذا بمن يوكزه في خصره، تعوذ بالله من الشيطان وسمى الله وأثنى عليه وهلل وكبر وما أن كاد ينتهي إلا وأتته وخزة أخرى أسفل صدره كادت تفقده السيطرة على خلاياه التي تشرذمت هربا من جسده، وأفقدته التحكم في أطرافه فنزلت بقعتان من بوله في ملابسه الداخلية تبعتهما زخة لاإرادية، وبدأت تسيطر عليه الرعشة والتيه بعد فورة دمه في عروقه من شدة الفزعة، ولسان حاله يقول: انصرف، انصرف، إنه الآن في دوامة الصدمة التي تسبق حالة الإغماء التي تكاد تصيبه وهناك شيء من الغثيان والبهت وتصلب وجفاف في الحلق، ورغم كل تلك الأعراض بدأ يتمتم ليقرأ المعوذات وبعض آيات القرآن عله يخرج من تلك الشدة.
انقلب الحال فبعد البرودة المتشبع بها الجو، أحاط وجهه شوب وصهد أحرق شعر رأسه وطقطقه فجعله يتصبب عرقا، ومع عدم جدوى تمتمته ومع ضيق المكان الذي أشعره بالاختناق ومع زيادة ضربات قلبه خرج مسرعا من هذا المكان المرعب فإذا بالشبح المتمثل في أحد زملائه الألداء يخرج وراءه مسرعا ضاحكاً منتشيا بالبطولة بعد أن أذاق صاحبه ويلات الفزع والرعب والاضطراب. حملق فيه قائلا يابن الـ .... تيت. أهو أنت. الله يلعن .... تيت.
زاد الآخر في قهقهته ضاحكا غير آبه، لم يتمالك نفسه وقوفا من شدة ضحكه فجلس مقرفصاً، ثم زاد خواره أكثر فتمدد على الأرض وخر ضحكاً للثمالة، حتى كادت تتصلب عضلات بطنه، وكاد يتوقف قلبه من شدة الضحك.
في الأثناء تفاجأ الضحية بوكزة أخرى أشد قسوة من تلك الوكزات التي ذاقها في الغرفة المظلمة فإذا به ملقى على أريكته الفردية، التي هرب إليها بعد جولة تكدير قضاها في أول الليل مع الطرف الأشد وطأة والأشد ضغطا على أعصابه، والأكثر تطفلا على فكره والأكثر معرفة بهواجسه ونقط ضعفه.
وقفت زوجته على رأسه قائلة: قم يا سبعي فقد حان وقت العمل لقد جاوزت السابعة والنصف.
فهمهم متذكرا زميل عمله الذي لا يتوانى عن التفنن في صنع المواقف التي تؤرقه وتعري جنبات شخصيته وتظهر مواطن ضعفها، وكذلك الغرفة المظلمة التي تثير خيوط الخوف بفرائصه كلما اختلى بنفسه فيها، هذان الشيئان القابعان على صدره اللذان يمثلان له الهم الأكبر في حياته العملية واللذان لا يتركه التفكير فيهما حتى أثناء نومه، يضاف إليهما زوجته التي تشترك معهما في شغل عقله الباطن وجهازه نظير السمبتاوي بالأحلام المزعجة في لياليه الخوالي، وتعد ثالثهما الذي يحيط حياته بشبكة من خيوط كخيوط العنكبوت التي تشل حركة فريستها حتى الموت .
قالت له: أراك خائر القوى، مشتت الذهن لا تقدر على القيام، ماذا بك؟.
فغر فمه دهشة وقال صامتا في خلجات نفسه: ثالوث مؤرقني زميل لدود، وزوج غير ودود، وغرفة ظلماء كؤود.
وفجأة صاح منددا بعد أن دخل في نوبة صرع هستيري: هيهات هيهات، تباً لكم جميعاً، ولتكن من الآن: ثورة ثورة ثورة

الاثنين، 11 يوليو 2011

العلم والإيمان

العلم والإيمان
خلق الله الإنسان فعلمه البيان، وكذلك علمه الأسماء، وعلمه صنعته التي تدر عليه رزقه، وأمره بالسير في الأرض والمشي في مناكبها لينظر ويتفكر ويعقل، فيعلم خالقه وخالق الخلق ومقدر المقادير فيعي وضعه وضعفه ويعي قدرة خالقه فيقدره حق قدره ويعبده حق عبادته.
ومع كل تلك الآلاء والنعم التي منحها الله للإنسان إلا أنه قد منحه قليلا من العلم فيقول تبارك وتعالى " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" ويقول سبحانه وتعالى " وفوق كل ذي علم عليم" لذلك فالعلم الممنوح للإنسان هو علم مقدر ومهيأ لوضعه ومعيشته على الأرض فقط، فقد يبحث العالم عن دليل أو برهان ليثبت نظرية بعينها وقد يبلغ الأسباب أو يتتبعها ليصل إلى معلومة أو حقيقة علمية
وهناك من العلوم مالا يهبه الله للإنسان بل يخص به مخلوقات أخرى ليدرك أن هناك الكثير من العلوم التي لا تتماشى مع وضعه على الأرض فلا يفهم لغة المخلوقات ولا تسبيحها كما قال عز وجل "ولكن لا تفقهون تسبيحهم" ولا يعلم ما في الأكوان من مخلوقات ولا يرى كثيرا من مخلوقات الله ولا يدرك وجودها فيما تخول مخلوقات موجودة معه على الأرض لعلم ورؤية ما لا يعلمه وما لا يراه فلا يرى الملائكة كما يراها الديكة مثلا ولا يرى الشياطين كما تراها الحمير ولا يفهم لغة المخلوقات من حوله كما فهم سيدنا سليمان لغة الطير والنمل وغيرها.
 كما أن هناك الكثير من العلوم والغيبيات التي تخفى على الإنسان ويعلمها غيره أو تخفى عليه وعلى مخلوقات أخرى كالجان أو لا يستطيع الوصول إليها بقدرته.
إن العلم الذي وهبه الله للإنسان ومنحه إياه ليساعده على عمارة الأرض وتوطينه فيها لا يمكن أن يكتمل إلا بمعرفة الخالق والخشية منه فيقول تبارك وتعالى "إنما يخشى الله من عباده العلماء" سواء كانوا علماء في علوم الدنيا أو في علوم الشرع والدين لأنها في النهاية تصب في التسليم والتوحيد والعبودية لله رب العالمين ولن تأتي الخشية من الله أو مراقبته إلا بالإيمان الذي هو طريق التعرف على الله وزيادة الصلة به لذلك فالإيمان هو غطاء العلم الحافظ له والواقي له من التلف كعظم الجمجمة الحامي للعقل كما أن العلم هو لب الإيمان الذي يعضده ويكون محتواه للوصول والتعرف إلى الله.
إن الإيمان بالله والصلة به هي طريق العلم والتفهيم فدعاء الرسل لربهم ومناجاتهم له رفعهم الله بها لأعلى الدرجات في الدنيا والآخرة فعلم الله يوسف من تأويل الأحاديث، وألان لداود الحديد بعد أن تعرف على تسبيح الجبال والطير، ولسليمان تسخير الريح وفهم لغة الطيور والمخلوقات، ولموسى سخر العصا لتكون آية للدعوة إلى الله من ضمن تسع آيات وهبها الله له لتكون حجة على فرعون وقومه، وعيسى يحيي الموتى بإذن الله ويشفى الأكمه والأبرص بإذن الله ويخلق من الطين طيرا فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، ولسيدنا محمد معجزة القرآن ومعجزة الإسراء والمعراج ووسائلها كالبراق ورؤية من الله لعباده الصالحين ليكونوا أعلم أهل الأرض ويكونوا بذلك أشد الناس خشية من الله لأنهم أشد علما وأشد إيمانا.
إن أفلاطون عندما كان يحلم بالمدينة الفاضلة التي تمنى، والتي لم تتحقق أركانها ولم يصبح لها وجود على الأرض إلا في عهد نبي رب العالمين وخير المرسلين سيدنا محمد عليه وعلى آله وأصحابه أتم الصلاة والتسليم، أقول لم تتحقق شروط وعوامل وجود هذا المدينة الفاضلة التي كان يحلم بها أفلاطون إلا بوجود الإيمان والعلم الذي ما إن وجدنا أحدهما في هذا الزمان فقدنا الآخر، لأننا وجدنا أنفسنا الآن أمام فقهاء دين بلا علم دنيوي، أو علماء بلا علم شرعي فهل نجد اليوم ابن رشد أو الفارابي أو بن سينا والكثير الكثير من العلماء المتفقهين في الدين أو فقهاء الدين الحاملين للعلوم والتخصصات العلمية التي تساعد في بناء الأمة.
إننا نريد اليوم عندما نتحدث عن بناء الدولة الحديثة القادرة على مجاراة العالم وتسخير كل التقنيات المتاحة لها في ذلك أن تكون الكثرة الكاثرة من فقهاء الدين على علم ودراية بالتخصصات العلمية التي تساعدهم على إفهام الناس ولا تكون أمامهم عقبات في إفتاء الناس في أمور دينهم وإيصال الدعوة الشرعية لهم فيتحقق بذلك الإيمان والعلم. كما أننا نريد العلماء والأكاديميين وأصحاب التخصصات التي تساعد في بناء الدولة الحديثة أن يكونوا على دراية بأمور دينهم وأركان شرع دينهم والحدود والضوابط والمحاذير التي يجب ألا تمس بها العقيدة والشرع فيتحقق بذلك العلم والإيمان.
إن العلم والإيمان متلازمان مقترنان لا يمكن أن يؤثر أحدهما دون الآخر فهما مكملان لبعضهما البعض فإذا افتراقا فقدا فعاليتهما فلا يكتمل إيمان بدون علم ولا يكتمل علم بدون إيمان فهل ننطلق بالاثنين معا وألا نأخذ شقا ونترك الآخر فنمشي بشق مائل أو نمشي كالأعرج الذي أهلكته وعثاء الطرقات.
      

الأسد وإيران والرهان الخاسر

اتخذت الدولة السورية دورها واصطفت خلف الأقطار العربية التي كسرت حاجز الخوف والصمت وأخذت وضعها الآن في معادلة التغيير الجارية، والتي تحتم على كل الكيانات العربية الكبرى تغيير وتعديل المسار حتى تتمكن من تبوء المنزلة والمكانة التي تفرضها عليها عوامل التاريخ والجغرافيا لتكون أحد محركات الوضع الخاطئ والجامد المفروض على المنطقة منذ قرون.
الآلة الشعبية السورية الآن في قمة نشاطها لتغيير النظام الظالم الجاثم على صدورهم منذ عقود، والموروث عن نظام أشد قسوة خلف من ورائه هو وغيره من الأنظمة الخادعة لشعوبها وضعا غاية في السوء على المستوى المحلي وعلى المستوى الإقليمي والدولي، ففي الداخل على مستوى الدول العربية تجد الأنظمة تزدري شعوبها وتستعبدها وتستبدها والنظام السوري أول من أذل شعبه وأكرهه على هكذا وضع، فتجد الفقر والجوع والمرض والأمية والجهل هي عناوين تلك الأنظمة وفي الخارج على المستوى العالمي فالاحتلال واستعراض القوة من الكيانات العالمية الكبرى هو عنوان المرحلة، وهذا وضع منافي ومغاير للفطرة والطبيعة وخصوصا في ظل صراع الحضارات وسطوة الإمبراطوريات وشراسة الحروب والصراعات.
الوضع الحالي شديد الوطأة على الشعب السوري حتى ينتهي من هذا النظام الغاشم الذي ادعى الممانعة للكيان الصهيوني، بينما هو خانع له منذ أربعة عقود و يزال، أما في الداخل فقد أذاق شعبه كأس الذل والبطش فقتل الآلاف منه لمجرد أنهم عبروا عن رأيهم، فيما أصبح هو وبعض الكيانات الأخرى ككيان حزب الله في لبنان يد إيران الطولي التي تبطش وتهبش شعوب المنطقة لصالح إيران، بل أصبحت أهم عامل من عوامل ضعف المنطقة وأهلها وسيطرة القوى الغربية عليها. فقد أصبحت آلة لتشتيت الأمة وتشييع شعوبها بالمال السياسي الإيراني وذلك على حساب ومقدرات الشعب الإيراني البائس الفقير الذي لا يجد فتيلا ولا قطمير في ظل تلك الثروة البترولية الضخمة التي تتمتع به دولته.
ولأن الله لا يصلح عمل المفسدين وأن الأوضاع المقلوبة لا يمكن أن تدوم وتستمر فقد بدأت مرحلة التغيير التي ستهدم هذه الكيانات التي أضعفت وشتت الأمة وقتلت ودمرت فيما يطلق عليها سحرتها ومروجوها أنها كيانات ممانعة، لذلك فمع نهاية المرحلة وسقوط هذه الفئات المدعية، سيخسر رأس الشيطان الرهان، وستكون كل نفقاته عليه حسرة وسيظهر الحق ويضمحل الباطل إلى غير رجعة.
إن خروج حسن نصر الله الأخير ودفاعه عن ذبانيته وإخوان غيه لا يمكن أن يفسر إلا على اقتراب نهاية هؤلاء القوم الذين لم يراعوا في إخوانهم إلا ولا ذمة ولم يسع صدرهم الحرج مجرد التعبير عن الرأي، بل إن حنقهم وحقدهم قد بلغ الزبا، عندما تورطوا في قتل النفس التي حرم الله ومزقوا معارضيهم أيما تمزيق عملا بالنظرية القائلة أنا ومن ورائي الطوفان، فالطوفان الآن هو من يزيل تلك الغثاء الذي ملأ الأرض دون جدوى ودون فائدة تذكر.
الرهان الآن بدأت تتضح مخاسره حتى وإن عول هذا التيار على إشعال منطقة هنا أو هناك ببعض زبانيته في البحرين أو العراق أو لبنان أو اليمن أو في أي قطر عربي أو مسلم يستخدمون فيه القوة الكامنة لصالح أجندة وهدف معين تخدم به طائفة بعينها لتسود وتتسيد الدولة الإسلامية وذلك فقط في أضغاث أحلامهم.    

الجمعة، 8 يوليو 2011

نونية الرفض والعنفوان

"نونية الرفض والعنفوان"
أبداها جهرا لم يكتمها
باغتتني كالطوفان
قال كن حكاءا أو سرادا
لا تنظم للشعر معاني
من خلاك لهذا الفن
فأنت تعثر في الألحان
هذا نصحي إن تقبله
فذلك أمر أصبح آني
سحق عظامي عند النطق
يا ليته ما أوصاني
نفر الدم من وجناتي
 ثار الدم كالبركان
شد وثاقي عند النقد
أثخن في هز بناني
 تالله نصلك مزق فكري
وعند قولك لم ترعاني
نهيك هذا أهجع حسي
 وتحركت مني أركاني
وللثمالة حديثك أذهلني
ثم أضحكني فأبكاني
هذا نصح  أم هو نحر
 أوضعت ذاتي في الحسبان
أنت للشعر حبر
 أنت في الشعر بحر تقود كالربان
فأنت بالفعل فحل
ذلك أمر مشهود من الإخوان
لكن فرطك أرق ذهني
 فلا تشطط في التبيان
لذلك أأبى دعواتك
 أرفض نصحك والإذعان
تبغاني أترك هذا الأمر
 ونبض قلبي لشعري قاني
شتان بين الترك والتقويم
يا لهما من شتان
فبربك أجبني
هل سُلب المحسنون غريزة الإحسان
هل توقف الطير عن التغريد والطيران
هل توقفت الأرض يوماً عن الدوران
فالطبيعة لا تُنهى عطاءا
 ولا تبخس الأشياء من الشجعان
أنا لي في الشعر هوى
إن أتركه فتلك قمة حرماني
أنا إن أشهرت قلمي شعرا
 هم المتلقي لباني
أنا إن ألقيت قصيدة
قام الجمهور فحياني
أنا دعيت كتابة
تهافت الجمع حيث رآني
قالها من قبل مدعي
فلا تسأل كيف رماني
سل القوم عن حاله
عند الرد وقت هجاني
ولي في الشعر غوا
سامح ربي من أغواني 
ذاك مبلغ مهجتي
 وسر من مكامن وجداني
أنا إن هجرت قريرتي
صار عمري بعدها فان
أنا لي في اللغة عشق
وسجع صداها ملء آذاني
أدعوك لوجه الله
 ألا تهدم فيك مني إنساني
وأعدك أني أقيم الوزن
 وألا أخسر في الميزان
أنا إن هجوت شاعرا
والله هذا مبلغ الخسران
فلن أذكر إلا خيرا
وسألتزم بأخلاق الفرسان
فأعمال المرء مرآته
 وخط أنمله حكم الزمان
يفنى وتبقى عابقة
تتلألأ خالدة في الذكران
لذا فإذا ما غضبت
فإن من شيمتي الغفران
واعلم أن أجيد النسق
ولتسمع من قولي عذب أغاني 
فهذا شعري تحت النقد
وهذا أمام الملأ بياني
ولئن أردتها ساحة بؤس
لآتين بأبيك الورداني
أنصحك ألا تأتيني نصحا
فأنا أبغض هذا الإتيان
فدعني أرفض كل النصح
 وليكن هذا إعلاني




السبت، 25 يونيو 2011

امضي كوكبة الأدباء

يا كوكبة الأدباء
يا من أنار جحور الألباب ... بإلهام وفكر وقلب معطاء
أنتم للأدب نعم الأرباب... وللشعر والقصص حَبر الأدباء
يا مرهفو الحس الرهوف بمصركم ... ارفعوا الهامات نحو العلياء
عُرب أنتم ثقافة وتحدثا... فاشكروا لله عظيم الآلاء
يسعى نوركم بين أيديكم... فافخروا بهذا الوهج الوضاء
اسبحوا في الأفق سبحا مضيئا... يُهدى إليه حائر البيداء
ارتقوا بلحن القول طربا... انثروا عبيره عانقوا الجوزاء
قولوا للناس قولا بليغا... فرب كلمة ينطقها الحكماء
سبحوا رب البرايا واشهدوا... بجمال لغتنا العربية الغناء
شرفت بخير الكتب تنزيلا ... لغة أهل الأرض والسماء
تباهوا بها فإنها احتوت ... كل اللغات وحوت النبهاء
لا تتبعوا سنن المتكبرين... فإنهم أتقنوا تلون الحرباء
ودوا لو يتحدثوا بها... غمدوا أجسادهم  في رداء الفقهاء    
عُجم لم يفطنوا مداركها...تنطعوا ببابها فقتلهم الكبرياء

يا كتاب ثورة التطهير... أميطوا الأذى عن عيون القراء
اقطروا السواد من الثرى ... اعيدوا للأمة مجد الآباء
مسخ الحديث ملأ مسامعنا... بئسنا عهود العتمة الظلماء
لوث الرؤوس فاشتعلت شيبا...هرمنا في عصر التملق والرياء
زخات قذفتها ألسنة حداد...أرصدة أوصلتنا حد البكاء
طهروا الأركان حنطا وطيبا...  اقطنوا تلافيف عقول الفطناء
انشروا العبق والذوق الرفيع... كونوا لعكاظ خير السفراء
مزقوا خيوط المتكاتبين أنكاثا... انسجوا بالعلم ثياب الأمراء
 اغرسوا فسائل فكر مثمر... تخرج سنابله عصب خضراء
تربو بها براعم أمة الخير... والله يضاعف لمن يشاء
عمروا بالفكر نوادي التأديب... كونوا نبراس العلم والعلماء
اغمسوا أياديكم بعبق الكتب...فإنها عادة تربي العظماء
كوكبة أدباء العهد الجديد...تلاشي بنورك نيازك البلهاء
عاضدوا ثقافة التحديث فكرا...عانقوا أصحاب الفكر البناء
قوموا سلوك وعقول أبنائنا... لعل الله يجعلها سخاءا رخاء
آنسوا وحدة النفس بالنص...فلابد للنفس من لحظة صفاء
اعملوا فليست الأحلام مدركة.. وليست الحياة تمن ورجاء
تآلفوا على كلمة الحب... واجعلوا النقد حب وإخاء
كوكبة الأدباء امضي حيثما... أراد الله لورثة الأنبياء
سيري وانهضي فالعهد بكر ... وتبقى الأمة عجبتها خصباء







الاثنين، 20 يونيو 2011

كاريزما واجتهادات شخصية أم برامج حزبية

كاريزما واجتهادات شخصية أم برامج حزبية
كثيرة هي الأحزاب التي شكلت بعد الثورة وكثيرة هي البرامج التي ستطرح وتقدم للجمهور، فعلى أي أساس سيتم انتخاب عضو مجلس الشعب القادم؟. لقد أصبحت الأحزاب القديمة والجديدة ذات أفكار متقاربة وأهداف متشابهة فمن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار تتشابه كل زمرة من الأحزاب فيما بينها وتتقارب في الشكل والمضمون، فعلى أي أساس سيتم اختيار ممثلي هذه الأحزاب لينالوا ويتبوءوا منصب عضو مجلس شعب الذي سيمثلها.
في الماضي وعلى سبيل المثال كنا نختار الأستاذ/ خالد محيي الدين عن دائرة كفر شكر لأنه رجل ثوري حمل على عاتقه عبئ وتبعات ثورة يوليو هو وزملائه من الضباط الأحرار، فكنا نرى فيه الرمز والقدوة رغم أنه كان رئيسا لحزب التجمع الاشتراكي التقدمي الوحدوي، ولو اطلع البسطاء والعامة على أفكار واتجاهات الحزب بما تحمله من أفكار اشتراكية تحمل في طياتها تضاد مع فكرهم وفطرتهم التي تربوا عليها لما انتخبه أحد بل ولهاجمه الكثيرون.
أما في عهد النظام السابق وحزبه الذي كان هو المسيطر على الحياة الحزبية والبرلمانية كان يتم ترشيح واختيار عضو مجلس الشعب بالطرق التي ابتكرها خصيصا في البيئة المصرية، فكان الحزب يرشح عضوه عن الدائرة بمواصفات معينة منها، أن يكون ذا سطوة ونفوذ، أو منصب عام، أو رجل أعمال صاحب مصانع وشركات يعمل بها الكثير من العمالة، فكان الاختيار يتم على أسس طبقية أو عائلية أو حتى على أساس الولاء والطاعة العمياء التي اتصف بها كثير من أعضاء الحزب المنفذين للأوامر دون معرفة أو دراية أو نقاش، وابتعد الحزب عن الأسس المعرفية والعلمية والأكاديمية والفكرية بل حتى الخبراتية التي تفرق وتميز بين عناصره، هذا من جهة الترشيح والاختيار، أما بالنسبة لآلية التنفيذ أثناء الاقتراع والانتخاب فكانت تتم بعدة طرق مخترعة ومبتكره من جهابذة الحزب المنحل، فمن توزيع السلع الغذائية الضرورية على البسطاء إلى توزيع المفروشات والبطاطين، إلى الوجبات الغذائية الدسمة، إلى شراء الأصوات بمقابل مادي، إلى شحن أرباب العمل للعمال بالشركات والمصانع في حافلات للتصويت مقابل منحة نصف شهر أو مكافأة انتخابية. كل هذه الطرق رسخت فينا مبادئ الاختيار الخاطئ وشكلت فكرنا حول المنصب وعضوه.
فهل يتغير الشعب المصري وينسى كل الطرق السابقة في الاختيار وهل ستراهن الأحزاب والأشخاص المستقلين المرشحين للمنصب على وعي الناس وحسن اختيارهم والتغير الذي حدث بين عهدين وبين تاريخين، وأن الذي حدث من تطورات على الساحتين السياسية والاجتماعية سيمنع المظاهر السابقة التي اعتاد العامة والبسطاء عليها، وهل ستراهن الأحزاب الجديدة التي هي حديثة عهد بالحياة السياسية على برامج حزبية تقنع الناخب المصري، أم ستعتمد على الاجتهادات الشخصية لمرشيحيها، وخصوصا الذين شاركوا في الثورة وليس لهم خلفية سياسية أو أعمال جماهيرية إلا وجودهم في مجريات الأحداث، وكذلك الأحزاب القديمة التي كانت ديكور للحياة السياسية في العهد الماضي، هل ستعول على برامج حقيقية وجادة؟، أم على اسم أشخاصها وسمعتهم من ذوي النفوذ السياسي والاقتصادي وتدعهم باجتهاداتهم الشخصية وانجازاتهم الفردية.  
الانتخابات البرلمانية قادمة في سبتمبر المقبل كما أكد المجلس العسكري والشعب المصري أمام اختبار مصيري ستبنى عليه حياته السياسية والبرلمانية القادمة، فهل نحن أمام خيارات لكاريزمات شخصية وانجازات فردية، أم لدعاية نارية، أم بأموال سياسية، أم بخلفية حزبية، أم بوجبات فورية، أم بمناصب حكومية، أم بسطوة جاهوية، أم لمصالح شخصية.
 أم يقطع النظام الاجتماعي الجديد وتغييراته في المجتمع كل تلك المظاهر ويأتينا بخيار جديد يعبر عن وعي وثقافة ورقي مجتمع مصري تعلم من الماضي ووعى دروسه استعدادا للعهد الجديد.
    

الأحد، 19 يونيو 2011

همسات في نسائم الصبح

همسات في نسائم الصبح
إنها نسمات صبح جميل تشبعت بقطرات الندى ففاح عبيرها هواءا عليل، نهار جديد بدأت تنسج أولى خيوطه في هدوء ونرجسية مع سكون الحركة قبل أن تدب الدواب ويتحرك السكون وتستعر نار الجو مع تعامد قرص الشمس على الأشياء فهذا يوم من أيام يونيو صاحب نهار الصيف الطويل.
نظرا إليه فإذا هو قادم من بعيد يتسرب خياله بين أقرانهما، يحمل فأسه على كتفه، اضطربا رغم سعادتهما بهذا العبير القادم مع نسمات الصبح، همس أحدهما للأخر قائلا أتظن ما أنا به ظان، وتفكر بما يدور في خلدي الآن، قال ولما لا فلقد آن الأوان، قال أتراه يزلزل الأرض من تحتنا كما فعل بآبائنا، قال له يا صاح إنه جاد وما أظن أن هذا وقت مزاح، قال إذاً تمسك بالأرض جيدا ودعني ألف أوراقي حول خصرك ولف أوراقك حول خصري لعل الله يكتب لنا من تلك الزلزلة نجاة.
عودهما النحيل ما زال لا يقوى على تقلبات الطقس ولا على تقلبات مزاج الرجل ذو الأيدي الخشنة الذي خلع جلبابه وشمر عن ساعديه وبدأ يقلب التربة من حول أقرانهما.
أنساهما الموقف الفرح اليومي بعبير الصبح وتغريد العصافير وتراقص أوراق وأغصان الأشجار من حولهما، فهم في مواجهة خطر الاقتلاع وزلزلة الأرض من تحتهما بل وتعرية جذورهما، بدأ الخوف يدب في قلبيهما، تشبث كليهما بالآخر، تعانقا ولف كل منهما أوراقه حول خصر أخيه، وهم في مواجهة الرجل ذو الأيدي الخشنة.
امتطى الرجل ذو الأيدي الخشنة المصطبة الواقفان عليها وخربش الأرض بفأسه ونكشها نكشا فوارى شقوقها وقلب حصاها واقتلع الحشائش والمتطفلات والكلأ الذي أحاط بأقرانهما، وعندما اقترب منهما قال أحدهما للأخر: ماذا لو أخطأ ذو الأيدي الخشنة واقتلع أحدنا، إني أخاف أن يخطأ ويضرب أحدنا بفأسه المسنون، قال له صاحبه اعلم أنه ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك وكل شيء بقدر، فقط كن طبيعيا ولا تخف حتى لا تلفت انتباه صاحبك ذا الأيدي الخشنة، فإن خوفنا أذبل أوراقنا وأصفره، قال له صاحبه إذاً علينا بالتمايل مع الريح حتى ينتبه إلينا ونجذب نظره لوجدونا فيحافظ علينا.
اقتربت الفأس منهما وراحت تقلب الأرض حولهما باحتراف، فجاءتهما من أمامهما ومن خلفهما وعن أيمانهما وعن شمائلهما ومن فوقهما ومن أسفلهما ثم استلت شفرتها من بين أوراقهما لتقلب التربة من بينهما، فقطعت ورقة من إحداهما ودفنت ورقة تحت الحصى للأخر، وبعد أن انقشع الغبار نظر أحدهما للآخر وقال له ءأنت بخير أم أصابك مكروه؟، قال له صاحبه كل شيء على مايرام إلا أن إحدى ورقاتي قطعت والآن أنا أنزف، ولكنه نزفا خفيفا فالحمد لله، وماذا عنك؟ قال له صاحبه: إحدى وريقاتي دفنت تحت التراب ولكني بإذن الله سأقاوم حتى تخرج أو تذبل وتقطع فيخرج غيرها.
في ظل هذا المشهد وبعد أن أنجاهما الله من معركة "عزق الذرة" دار بذهنيهما المرحلة القادمة من مراحل صراع الوجود فجال في ذهن الأول موقعة "خف الذرة" القادمة وما إذا كانت ستناله يد الرجل ذو الأيدي الخشنة وتقتلعه من الأرض فتخلع جذوره ليعيش الآخر، أم سيكون هو من يكتب له البقاء إذا كتب الفناء للأخر، أما صاحبه فقد قال في نفسه إنها موقعة الخف القادمة التي لابد وأن يخلع أحدنا ليعيش الآخر، فنظر في وجه صاحبه، ففهما ما يدور بذهن بعضهما، فقام الأول بعناق صاحبه وهو ينزف سائله الكلورفيلي بينما انتفض الآخر وشد عوده ليعانق صاحبه فانقطعت الورقة المدفونه ونزف هو الآخر من طرفه المقطوع سائلا  كلوروفيلي كصاحبه، وقالا معا: مهما كان المصير فإننا بنو ذرة سنحافظ على نسلنا وسينجب من يبقى فينا ذريته لنعيش حياتنا وصافح كل منهما الآخر، وابتسما وتراقصا سويا مع نسمات الصبح فيما مر من فوقهما الرجل ذو الأيدي الخشنة بعرقه المتساقط فوق أوراقهما وكأنه سحابة صيف مرت سريعا على أحلامهما، فأرجئ بذلك التفكير في المصير حتى إشعار آخر.      
  
  

الجمعة، 17 يونيو 2011

المنتج الصيني وثقافة المستهلك المصري


في نهاية الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي تحرك برنامج الصناعة المصرية حتى وصل إلى أوج مجده في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بتصنيع صاروخي القاهر والظافر والطائرة حلوان 300 والقاهرة 200 والطائرة الجمهورية إلى جانب مصنع نصر لصناعة السيارات والعديد العديد من الصناعات الزراعية والتكميلية والبترولية التي كانت وافدا جديدا على البيئة المصرية، وبنكسة يونيو 67 انفضت الساحة الصناعية المصرية وتبخر الحلم المصري في مجاراة الدول المتقدمة نحو صناعات القمة التي تعتمد عليها تلك  الدول اليوم، والتي كان من المقرر أن تعد مصر من إحداها إذا استمر برنامجها الصناعي آنذاك والذي بدأ قبل العديد من الدولة الصناعية اليوم كالهند وماليزا وسنغافورة والبرازيل والأرجنتين، وأيا كانت أسباب توقف تلك الثورة الصناعية فإن نتائج توقفها أثرت في تاريخ الأمة المصرية منذ نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين الأمر الذي أدى إلى تأخر سرعة دوران عجلة التكنولوجيا والاعتماد على المنتج المستورد عالي التكنولوجيا رخيص الثمن الذي يشبع حاجة السوق ويؤدي الغرض المطلوب دون اللجوء لإجراءات الاستنساخ والتصنيع العكسي ودون اللجوء لتكاليف إنشاء خطوط إنتاج عملاقة لمنتجات هي في متناول اليد ورخيصة الثمن.
ولعل الصين إحدى هذه الدول التي بدأت مبكرا في توليف وتوطين الصناعات التكنولوجية الحديثة التي أثرت في مجرى الأحداث وقلبت الموازين رأسا على عقب مما أدى إلى ريادتها في العديد من تلك الصناعات التي يوجد بيننا وبينها الآن برامج تصنيع مشتركة ونقل للتكنولوجيا وخصوصا في مجال الصناعات العسكرية كبرنامج المقاتلة FC1 وطائرة التدريب K8 وبعض البرامج الأخرى في المجالات الأخرى التي تهم الشأن المصري.
ما يؤسف له فعلا أن تكون هناك منتجات "بير سلم" يقوم عليها هواة صينيون بتسهيلات من دولتهم وأيضا بتسهيلات تسوقية من دولتنا فيتم رواج تلك البضائع في السوق المصرية بطريقة فجة معظم هذه المنتجات يستخدم لمرة واحدة ولا يمكن اصلاحه أو صيانته لعدم جودة خاماته او كفاءة تصنيعه ويتم التهافت عليه من المستهلك لعدم وجود بديل وطني رغم وجود الامكانات والقوى البشرية التي تستطيع صناعة منتج منافس لتلك المنتج وبمواصفات وجودة أعلى فيكون سببا في تشغيل وفتح سوق جديد وعمالة وطنية ذات خبرة، ودورة انتاج تصب في صالح المواطن والدولة، فهل تتغير ثقافة المواطن بتشجيع المنتج الوطني المماثل لهذه المنتجات المستوردة وهل سيتم تفعيل دور الصندوق الاجتماعي للتنمية وإنشاء صناديق أخرى مماثلة للمساعدة في امتصاص هذا القدر الهائل والكم الكبير من طاقات هذا المجتمع، وهل نبدأ في توطين صناعات صغيرة ومتوسطة بكفاءة وجودة مقبولة تنمو على المدى البعيد لتوطن لدينا صناعات ثقيلة وكبيرة الحجم ذات تكنولوجيا ومواصفات مرتفعة تنهض بنا بعد فترة العقم الماضية.

   

سبحان من جعلها سلمية

اليمن السعيد دولة ذات تضاريس وعرة وعادات وتقاليد خاصة، فالجبال في اليمن هي سكن معظم السكان الشماليين، والحياة القبلية هي سمة من سمات هذا المجتمع، ولذلك فالتعامل مع هذه البيئة هو من الصعوبة بمكان نظرا لوعورة الأرض والتقسيم القبلي للسكان، فترى المواطن اليمني دائما ما يحمل حول خصره خنجر أو سيف للتعامل مع هذه البيئة وهوامها، حتى أصبح حمل السلاح عادة يمنية أصيلة للمجتمع اليمني.
ولعل من أضعف مظاهر حمل السلاح في اليمن أن تجد مواطنا يحزم نفسه بخنجر أو سيف فهذا من أضعف التسليح، أما أعلاها وأفجها هي أن ترى مواطنا يمتلك دبابة أو مدفعا مضادا للطائرات أو مضاد للدروع أو قاذف هاون فهذا هو قمة مظاهر التسلح في هذا البلد القبلي.
لقد ذكر لنا بعض أصدقائنا اليمنيين بأن السلاح بكافة أنواعه وأشكاله بدءا من الطبنجات التسعة مليميتر وحتى الرشاشات الآلية تباع في محلات البقالة وكذلك ذخائرها وملحقاتها.
إن الثورة اليمنية وصبغتها السلمية هي مثال جيد للتغيير السلمي ولثورات الشعوب الملتزمة الطيبة التي تريد العيش بسلام وأمان، لذلك فإن هذا المثال ربما يؤتي أكله ولو بعد حين نظرا لالتزامه بعدم العنف واعتماده على أسلوب حضاري في التعامل مع الآخر.
إن التزام الثوار في اليمن بعدم الاحتكام للسلاح رغم وجوده بغزارة هو التزام أخلاقي يجب النظر إليه من أهل السلطة هناك، والتزام النظام الحاكم بعدم مقابلة هذا الخيار بخيار العنف هو واجب يجب أن يلتزم به ولعل اتخاذهم الثورة المصرية والتونسية قدوة لهم، ووضع الأحداث في هاتين البلدين نصب أعينهم هو ما حافظ على عدم الانجرار إلى العنف حتى الآن رغم طول المدة التي تم فيها هذا الحراك السياسي واستمراره حتى الآن، لذلك يجب الإسراع في نقل السلطة بطريقة سلمية ليظل الوضع السلمي قائم، وخصوصا بعد إصابة الرئيس على عبد الله صالح والذي يوضع حول إصابة العديد من علامات الاستفهام فمن له مصلحة بقتله.
حمى الله اليمن الشقيق وشعبها التقي النقي من كل مكروه وسوء وأخرجهم من هذه الغمة بمن يرعى شئونهم ويصلح ذات بينهم ويقودهم نحو الأفضل.

  

الأربعاء، 15 يونيو 2011

سياسة الدين ودين السياسة

سياسة الدين ودين السياسة
الدين والسياسة نظامان يهيئان لوضع الإنسان ومعيشته على الأرض روحيا وجسديا، فهما منظمان لحياته، فالدين نظام إلهي أنزله الله على الناس لينظم أمور معيشتهم ويضع معايير ومقاييس وضوابط للتعامل فيما بينهم،  وهو نهج ينتهجه الإنسان ومعتقد يقتنع به يعيش على شرائعه وحدوده ليتعرف على الله فيعبده حق العبادة ويتقيه حق التقوى، أما النظام السياسي فهو نظام يضع معاييره ومقاييسه وضوابطه القائمون على حكم مجموعة من الناس فيما بين الأسرة والعائلة والقبيلة أو القرية والمدينة والولاية والدولة، فهناك نظام سياسي يحكم بالعرف والقانون والتشريع هذه التجمعات والكيانات، وكلما اتفق هذا الحكم السياسي مع تعاليم وأوامر ونواهي الدين كلما كان متفقا مع فطرة وخلق الله الذي فطر الناس عليه.
الدين نظام إلهي أعم وأشمل نزل من عند الله ليحكم وينظم حياة البشر، وهو يحتوي كل اجتهادات وتشريعات البشر، فكل الكتب السماوية نزلت لتنظيم حياة الإنسان وتعريفه بربه وخالقه،كما أنها تهيئ له حياة صنعها الله له كما صنعه، وخلقها له كما خلقه، لذلك فإن قوانينها التي أنزلها العليم به لا يمكن أن تكون مضادة لخلقه وجبله "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير".
إن فطرة الله التي فطر الناس عليها تقضي وضع تشريعات وتنظيمات وحدود تكون خادمة لتلك الفطرة، ولعل الشذوذ عنها هو ما يضع حياة ذوو هذا الشذوذ في أوضاع الشقاء والنصب والتعب، بينما يجد من تمسك بحكم الله وشرعه ومنهجه الذي جاء في دينه يجد السعادة في الدنيا والآخرة.
الدين والسياسة أب وابن فإذا ورث الابن من أبيه خصاله ورباه أباه على ما أنزل الله فعاش في طاعته، عاش سعيداً لم يلق مصاعب ومتاعب في حياته، أما إذا عاق الولد أبيه وعصى أوامره ونواهيه تعب ونصب ووجد من مخاطر المجازفة والسقوط ما يجعله يحيد عن الطريق القويم، فيخسر عمله ويضل وهو يحسب أنه بذلك قد يحسن صنعا، فيشقى في الدنيا والآخرة.      
إذاً فإن سياسة الدين تقضي بوجوب تنظيم حياة الأمم والشعوب على ما أنزل الله لها من كتب ورسالات نزلت على قلوب رسل وأنبياء قاموا بإيصالها للناس فوعاها وفهمها السعداء وتركها وصد عنها الأشقياء.
أما دين السياسة فهو كما يشكله ويختاره الساسة فإذا ابتعدوا عن حكم دين الله وفطرته في خلقه، شططوا بهذا الاختيار فوقعوا في دائرة الانهيار، ولعل لنا في قصصهم عبرة إن كنا من ذوي الألباب، ففرعون وقارون وهامان وجنودهم كانوا خاطئين، وامرأة نوح وامرأة لوط كانتا من الخائنين، وإبليس وجنوده بهذه السياسة هم من الهالكين.
إن زعماء الغرب بعد أن وعوا حقيقة دين الله وشرعه الذي توافق مع فطرة الإنسان وخلقه، قاموا بتطبيقه بعد عصور من التخلف والاستبداد، نهضوا به من الظلام إلى النور، ومن الباطل إلى الحق، فعاشوا أزهى عصور السياسة المنساقة خلف تعاليم دين الله، حتى وإن كانوا قد جحدوا هذا الدين وكفروا به، فأنهم لا يكذبون أنبياء هذا الدين ولا ما جاءوا به، بل إنهم بآيات الله يجحدون، أما نحن فقد آمنا وأيقنا بأن أنبياء الله حق ودينهم وشرعه حق، ولكننا فقدنا تطبيق آلياته وقوانينه، ونحيناه جانبا وذهبنا وراء حركات هلامية وهمية، ساقوها لنا لإلهائنا وتضليلنا، فعلمنا الدولة نظريا دون أن نعلمنها تطبيقا على الأرض، فصرنا بذلك للأمية عنوان، وللمتاهة صنوان، فلا طبقنا سياسة ديننا، ولا أنهلنا من شرعنا منهلا يكون لدين السياسة نبعا حينما تتعثر خطواتنا.
إن سياسة حكم البلاد بما أنزل رب العباد جديرة بأن تجعل خير أمة أخرجت للناس تقود وتتميز بعد أن انساقت واتبعت وكفيلة هذه السياسة بأن تحقق الخيرية وأن تحقق الوسطية، فهلا استنهضنا هممنا ورجعنا إلى سبيل ربنا، هل آن وقت التطبيق في هذه الفرصة السانحة.         

السبت، 11 يونيو 2011

الثورة وجدواها في التغيير

الثورة وجدواها في التغيير
هل حققت الثورة التغيير المرغوب فيه؟، هل نجحت في تعديل نهجنا وطريقة تفكيرنا؟، هل غيرت من أسلوب حياتنا؟.
كثيرة هي الأسئلة التي تحوم حول الثورة وجدواها وما حققته خلال ستة أشهر، ولعل ما يشغل فكر المفكرون، وبحث الباحثون الآن هو نتائج الثورة على المدى البعيد، وربط هذه النتائج والتداعيات في الوقت الراهن بوضع الدولة والمجتمع على الأرض، وحال البلد الذي لا يزال في وضع سيء، والذي لم يتغير حال مواطنيه كثيرا بعد قيام الثورة.
ورغم قصر المدة التي مرت بعد الثورة وهي ما يطلق عليها "المرحلة الانتقالية" فمن الظلم التاريخي والسياسي أن يتم  الاعتداد بها والحكم على مستقبل البلد بهذه التسعة أشهر، إلا أن هناك مؤشرات قوية على الأرض تؤكد عدم جدوى الكثير من الأحداث والفعاليات، التي جرت منذ يناير الماضي والتي أتبعت الثورة وحتى الآن، فالوجوه التي تمارس العمل السياسي ما زالت كما هي بكافة اتجاهاتها، وما زال الكثير منهم في أماكنه يمارس عمله بأريحية، والثوار الذين دخلوا في هذا الحراك السياسي وهو جديد عليهم لم يحترفوا هذا العمل بعد، بل انقسموا على أنفسهم وضل عنهم هدفهم، وامتصهم عتاة العمل السياسي، كما أن المجتمع المصري لا زال يغص في ثبات عميق، اللهم إلا بعض حركات التمرد التي أصابت بعض أطياف المجتمع نتيجة الظلم في توزيع الدخول وعدم وجود العدالة الاجتماعية، أما سلوك الأفراد داخل المجتمع فلم تناله يد التغيير فأعمال البلطجة في ازدياد نتيجة ارتخاء قبضة الأمن، والغائبون عن العمل التطوعي والخيري تشغلهم مصالحم الشخصية ولا يأبهون للدعوات الموجهة للانخراط في العمل العام، والذين مردوا على الكسب المادي والحسابات والأرقام مازالوا يطوفون حول خزائنهم ولا يهمهم تدني مستوى سعر صرف عملة بلدهم مقابل العملات الرئيسية، أو انخفاض الاحتياطي للنقد الأجنبي من 36 مليار إلى 25 مليار دولار، فهل قام رجال الأعمال والاقتصاديون بعمل مشروعات تنموية للشباب وغيروا من نمط أسلوبهم في الكسب المادي.؟، أم أنهم أجبن من رؤوس أموالهم؟، هل التزم موظفو الدولة بالمواظبة على أوقات حضورهم وانصرافهم وصبروا حتى تعدل رواتبهم ومصروفاتهم؟، أم أنهم ينتظرون تعديل رواتبهم دون تعديل سلوكهم الوظيفي واحترام تعاقدهم مع الدولة؟.
الشرطة التي رفعت شعار خدمة الشعب لازال أفرادها لا يخدمون مجتمعهم بعد فقد السطوة السابقة، ومنهم من لا يريد العمل إلا بتلك السطوة، ولقد رأيت بنفسي أحدهم يلمح لمواطن بأنه خدمه في محضر التعدي الذي كتبه له، مما اضطر هذا المواطن أن يدفع له عشرة جنيهات على سبيل هذه الخدمة، وهي في قاموس الشرطي والمواطن "إكراميه" وما هي برشوة، رغم أن الثورة قامت من أجل تغيير هذا الأسلوب.
 كذلك الآلة الإعلامية للدولة لم تتغير وجوهها، فرموز وأقطاب الإعلام قبل الثورة لازال معظمهم يجثم على صدور المشاهدين والمستمعين والقراء، وما تغيير النهج والأسلوب إلا من تداعيات المرحلة وما هي إلا تماشيا مع الوضع السائد لها 
إن المجتمع المصري بعد الثورة ما زال كما هو لم يتغير سلوكه ولم يطرأ عليه أي تعديل، فالتغيير المنشود أتى من عل، ولم يأتي على القاعدة العريضة للمجتمع، فالبلطجية لم يصبحوا دعاة هدى ، والمرتشين لم تعف نفوسهم، ولم تمنع يد التغيير مد أيديهم، والتجار الذين غالوا في الأسعار لم يرحموا مستهلك، واستغلوا نقص المعروض وزيادة الطلب في بعض الأحيان فكان الغلاء رمزا لبعض السلع بعد البوار، جاءتنا بعض الأزمات فلم تزرع فينا قيما ايجابية، بل أفرزت منا سوء السلوك والأخلاق، هل علمتنا أزمة الغاز خصلة الإيثار؟ أم جنبتنا أزمة السولار غلاء المواصلات وبهظ التنقل لأهل الدار، وتكلفة نقل السلع والمستلزمات، واستغلال أصحاب النفوس الضعيفة من السائقين وتجار المواد البترولية للأزمة، لذلك فتجذر خصلة الأنانية أظهرت في الأخلاق انحدار، هل ما زلنا نحلم بتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وحب الخير للغير كما نحبه لأنفسنا، هل يناهنا الوازع الديني ووجع الضمير أم اننا أصبحنا نقيس الأمور بمقاييس دنيا.
كنت أود ألا أكون من المتطيرين أو من المثبطين إلا أننا ما يزال أمامنا عشرات السنين حتى نتغير التغيير الذي يصبح البيئة التي تنضج فيها ثمرة الحرية والعدالة وتمنو فيه أغصان التقدم والرقي، وتبذر فيها بذور الثقة والعزة والكرامة ونكون يومها أهلا لثورة الحرية، وتكون حينها عوامل التقدم والبناء موجودة على الأرض، أرجو أن أعيش لأرى تلك الأيام.

الخميس، 9 يونيو 2011

مستشفى التأمين الصحي ببنها... المشكلة والحل

مستشفى التأمين الصحي ببنها... المشكلة والحل.
في بداية عام 2000م، شرع القائمون على أمر التأمين الصحي فرع القليوبية بهدم مستشفى التأمين الصحي ببنها، بغية توسيعها وبناء صرح طبي يستوعب الأعداد الهائلة لمنتفعي التأمين الصحي بالقليوبية، والذين لم تكن تسعهم المستشفى القديم ذات المائتان والخمسون سرير رغم ما تقدمه من خدمة طبية مميزة حينئذ، ورغم إمكاناتها الهائلة مقارنة بمستشفيات وزارة الصحة في ذلك الوقت.
ولأن العمل كان يجري على قدم وساق فقد توسم العاملون بالتأمين الصحي ببنها والمنتفعون الذين يجدون خدمة جيدة بهذا الصرح الذي رفع وبني على شكل معبد فرعوني بجدرانه المائلة وطوابقه العشرة على مساحة خمسة آلاف متر تقريبا، الكل توسم خيرا في أن يجد بعد بضعة سنوات قلعة طبية للتأمين الصحي ببنها تحتوي على خمسمائة سرير وعلى أقسام تأهيلية ورعاية طبية للمرضى أفضل مما كان تجعلهم يفتخرون بأنهم يقطنوا هذه المحافظة التي لا يوجد بها مستشفى للتأمين الصحي إلا مستشفى النيل بشبرا.
الحلم الذي راود الكثير من البسطاء والضعفاء الذين تكويهم نار العلاج بالمراكز الخاصة تبخر فجأة، وتحول إلى كابوس ممل يرونه يوميا في مبنى قائم تسكنه البوم والغربان، صرف عليه الملايين ولا يجد من يكمله ويقف عبئا على الدولة بكافة مؤسساتها التنفيذية والقضائية والتشريعية وعلى المواطنين الذين لا يجدون حلا لهذا التوقف المعطل لهذا المبنى العملاق الذي يعيقه عن تقديم المنفعة للمواطنين أشياء كثيرة منها، النظام السابق وزبانيته الذين استغلوا واستفادوا من أوضاع سابقة راكمت الأخطاء وكتلت المشكلات، وروتين إداري وقانوني أبطأ من حزم كثير من الأمور في وقتها، وغياب ضمير ووازع جعل القائمون على المبنى يعوضون هباتهم ومنحهم من جسد هذا المبنى الذي عانى كثيرا من عدم مطابقة المواصفات كما قال الكثيرون.
في شهر رمضان الماضي قال محافظ القليوبية السابق إن مشكلة مستشفى التأمين الصحي ببنها قد حلت وأنه سوف يستأنف البناء ولكن هذا التصريح كان مجرد كلام لم يتحقق على أرض الواقع كما كان رؤسائه يقولون الكثير من الكلام الذي لم يتحقق على أرض الواقع.
وإذا كان النظام السابق قد أجل حل المشكلات لأجل غير مسمى وإذا كان ارتكب من الأخطاء وأصل من نظم الفساد ما جعل هذا المبنى وغيره من المشروعات على أرض مصر تقف خاوية على عروشها وتقف عبئا على الدولة ومواطنيها بدلا من أن تكون قاطرة للتنمية فإننا اليوم نتوسم خيرا في معالجة تلك المشكلات وإزالة هذه العقبات التي جنت على هذه الأمة وأخرت تقدمها ولذلك فإنني أهيب بمجلس الوزراء ومحافظ القليوبية الجديد حل هذه المشكلة وهي تتلخص في أن يقوم المجلس العسكري بجهاز الخدمات العامة للقوات المسلحة والذي يشرف على الكثير من المشروعات في مصر كبناء الصالات المغطاة وكذلك بناء الطرق والكباري وغيرها من المشروعات فيقوم بمعالجة الأخطاء السابقة التي لاحظتها اللجنة الاستشارية الهندسية المختصة بمتابعة المبنى في الهيئة العامة للتأمين الصحي وكذلك تسديد أقساط المقاول وسحب المبنى منه ليكمله جهاز الخدمات العامة للقوات المسلحة.
نداء إلى مجلس الوزراء الجديد ومحافظ القليوبية الجديد بالسعي إلى حل هذه المشكلة حتى نجد مستشفى التأمين ببنها صرحا طبيا نافعا لأهل المحافظة الذين عانوا الكثير طوال العقد الماضي.